ياسر بركات يكتب عن : هنا أمبراطورية الهند

هيدروكسي كلوروكين" و"باراسيتامول"
قصة الأقراص التى تشعل الصراع السياسى بين 5 دول كبرى

واشنطن تلقت منه 35 مليون جرعة .. وترامب يضغط لتحديد مسار الدواء
إسرائيل وأسبانيا واستراليا يطالبون برفع حظر تصدير العقار .. والهند تستجيب

العدو الخفي الجديد يختلف عما سبقوه، لأنه ظهر فجأة وبدون مقدمات، ولذلك فإن ما يواجهه العالم اليوم هو أكثر شراسة وخطورة مما سبق أن واجهه. ومن أهم الدروس المستفادة من هذه الأزمة أنه قد يخلق الرغبة للجميع بضرورة تغيير الوضع القائم في عالمنا، من صور مخزية ومتناقضة ومؤلمة، والتي ترتكب باسم أسباب واهية. هل يمكن لوباء بهذه الصورة المرعبة أن يغير المعادلة، ويكسر حاجز الصور النمطية، ويدفع باتجاه تعزيز الحوار والتقارب، ونبذ الصراع والعنصرية بين الشعوب والثقافات؟

تخرج علينا بين الحين والآخر أصوات نشاز متطرفة، لا يعنيها مبدأ التعايش لا من قريب ولا من بعيد، مكرسة حقدها على الإنسانية، يتساوى في ذلك الداعشي المؤدلج أو النائب اليميني الشوفيني في البرلمان الهولندي أو الفرنسي. يخفت توهج صوت الاعتدال والتسامح والتعايش، في حين تُفتح الأبواب لأصحاب الإثارة والتصادم والتمزق المجتمعي.

حضور هذه الأصوات المتطرفة من الطرفين بقوة في الساحة يؤدي إلى اندلاع حرب عقائدية ذات نزعة متطرفة، ما يعني ضياع مفتاح التواصل، عبر تلك الخطوات الاستفزازية التي يُقْدم عليها البعض، أمثال النائب اليميني المتطرف في البرلمان الهولندي جيرت فيلدرز، المعروف بمواقفه المعادية للإسلام وغيره، تدفع باتجاه تعزيز إثارة الكراهية والتفرقة، ليبقى هذا العالم عرضة لصراعات عرقية ودينية؛ خصوصاً مسألة ازدراء الأديان والإساءة للرموز الدينية.

الأسبوعان الماضيان شهدا تعزيز الهند لدبلوماسيتها الطبية، بإرسالها شحنات كبيرة من الأدوية إلى حوالي 120 دولة، لدعمها في التصدي لتفشي الوباء، تمثلت في قرابة 100 مليون قرص "هيدروكسي كلوروكين"، وما يقترب من 500 مليون قرص "باراسيتامول".

بدأ الأمر عندما أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعقار "هيدروكسي كلوروكين" المستخدم عادة لعلاج الملاريا، باعتباره قادراً على تغيير مسار الوضع الراهن على صعيد جهود محاربة تفشي وباء "كوفيد- 19"، ومنذ ذلك الحين تقدمت جميع دول العالم تقريباً بطلب للحصول عليه. وتلبِّي الهند ما يتراوح بين 80% و85% من الطلب العالمي على هذا العقار، الذي أثارت دراسة حديثة بشأنه شكوكاً حول فاعليته في تخفيف أعراض "كورونا" المستجد. وكان لافتاً تغيير الهند موقفها من رفض تصدير أقراص "هيدروكسي كلوروكين" إلى دول أخرى، كي تضمن توفر ما يكفي من هذا العقار لتغطية الطلب المحلي، عقب ضغوط أمريكية.

في الأسبوع الأول من أبريل، نقلت تقارير صحفية عن الرئيس دونالد ترامب قوله خلال مؤتمر صحفي، إن المخزونات العالمية من "هيدروكسي كلوروكين" محدودة، وإنه ضغط على رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي للتعجيل بإرسال شحنات من العقار. وقال ترامب عندما استفسرت منه وسائل إعلام عن هذا الأمر: "إذا لم يسمح بتصدير هذا العقار فلا بأس في ذلك؛ لكن بطبيعة الحال ربما يكون هناك رد فعل، ما الذي يمنع ذلك؟".
وبالفعل، خفف رئيس الوزراء الهندي مودي من حدة موقفه، بعد اتصالات هاتفية مع كل من دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، بجانب قيادات عدد من الدول المجاورة ودول أخرى، مثل إسبانيا وأستراليا، من أجل إقناعه برفع الحظر المفروض على تصدير العقار. وسرعان ما أعلنت وزارة الخارجية الهندية رفع الحظر، وقالت إنها ستجيز تصدير "هيدروكسي كلوروكين" و"باراسيتامول"، الذي جرى تقييده في مارس.

عندما تطلق دولة ما مناشدة للحصول على دواء في وقت كارثي كهذا، تصبح الإنسانية هي الأولوية الأولى في عملية صنع القرار. وهنا، لا يتعلق الأمر بالحصول على استفادة من دولة في حالة أزمة، وإنما تصبح العاطفة الإنسانية هي الغالبة. وعليه، أصدر مجلس الوزراء قراراً بالسماح بتصدير فائض الدواء للخارج". وأوضح أن البلاد لديها ما يزيد بمقدار ثلاثة أضعاف عن الاحتياجات الداخلية من "هيدروكسي كلوروكين". وقال دامو رافي، المسئول بوزارة الشؤون الخارجية الهندية، المعني بجهود التصدي لوباء كورونا المستجد: "تلقينا بالفعل كثيراً من طلبات الحصول على (هيدروكسي كلوروكين)، ونضع في اعتبارنا المخزون والاحتياجات الداخلية، للحفاظ على مستوى كافٍ وآمن من العقار.

الهند تقوم بتصدير "هيدروكسي كلوروكين" إلى الحكومات، وليس شركات خاصة، بالتوافق مع التزامها العالمي بالمعاونة في التصدي للوباء. وبالفعل، يجري حالياً تصدير شحنات من "هيدروكسي كلوروكين" و"الباراسيتامول" إلى دول مثل الولايات المتحدة وإسبانيا والبرازيل والبحرين وألمانيا والمملكة المتحدة، بما يتوافق مع عقود تجارية وقعتها هذه الدول مع شركات هندية في مجال الصناعات الدوائية. وفي نقلها للشحنات، تعتمد الهند على طائرات شركة "الخطوط الجوية الهندية" وأخرى تابعة لسلاح الجو الهندي، لنقل المساعدات إلى جيرانها القريبين. أما الدول الأخرى، فيجري نقل الشحنات إليها باستخدام ناقلات تجارية. كما تنظم الهند تدريباً عبر شبكة الإنترنت للعاملين في مجال الرعاية الصحية في جنوب آسيا وعدد من الدول المجاورة، بخصوص استراتيجيات التعامل مع الوباء والجوانب المتعلقة بالأزمة.

أقراص "هيدروكسي كلوروكين" و"الباراسيتامول" تحولت إلى سفراء نيودلهي التي استفادت من تعرض الصين لانتقادات دولية بسبب سوء إدارتها لأزمة الوباء، وافتقارها إلى الشفافية في التعامل معها. وعبَّرت واشنطن عن امتنانها للهند بعد تلقيها 35 مليون جرعة من "الهيدروكسي كلوروكين" ، إضافة إلى تسعة أطنان من المواد الخام اللازمة في تصنيع العقار. كما أبدى الرئيس البرازيلي بولسونارو تأثراً عاطفياً شديداً، لدرجة أنه ذكر الإله الهندوسي هانومان، في إطار توجيهه الشكر إلى الهند للصادرات الطبية التي وجهتها لبلاده. وفي رسالة أطلقها بالهندوسية، قال السفير البولندي لدى الهند، آدم بوراكوسكي: "نيابة عن بلادي، أقدم وافر الشكر للهند والأطباء الهنود على مجهودهم".

ليست هذه المرة الأولى التي تقوم فيها الهند بتفعيل دبلوماسيتها الطبية. فقد عززت صادراتها من العقاقير المضادة لمرض نقص المناعة إلى أفريقيا، عندما عصف وباء "الإيدز" بأكثر من 22.5 مليون شخص في القارة، سعياً لتعزيز صورتها كجهة إمداد لعقاقير فاعلة ومنخفضة التكلفة. وفي الوقت الذي بلغت فيه تكلفة العقاقير التي أنتجتها شركات غربية 10000 دولار للمريض الواحد، كانت تكلفة العقاقير الهندية نسبة بسيطة للغاية من هذه التكلفة، حيث بلغت 400 دولار للمريض الواحد في العام. وانتهى الحال بالدول الأفريقية إلى علاج 18 ضعف أعداد المرضى، مع إنفاق ملياري دولار فقط بدلاً من 150 مليار دولار. وتكمن قوة الهند في إنتاج أدوية شاملة، وتعتبر رائدة في هذه السوق.

نجحت هذا التحركات في تأكيد نيات الهند الحسنة. وفي التأكيد على أنها تقدم تضحيات صادقة لإظهار تضامنها الدولي، وليس من أجل كسب المال. ومعروف أن حوالي 70% من الصناعة الدوائية الهندية تنتج أدوية شاملة، وبالتالي تبقي على تكلفة الإنتاج أقل بنسبة 60% من نظرائها الأمريكيين والأوروبيين. وفي الوقت الذي تولي الحكومة الهندية أهمية كبرى للترويج لسياسة "الجوار أولاً"، بمعنى التركيز بصورة أساسية على جنوب آسيا، فإنها تسعى في الوقت ذاته نحو تعزيز إجمالي التعاون مع دول الجوار الأوسع.

إن البيئة الدولية الجديدة ستصبح أكثر ضبابية وتعقيداً وغموضاً من أي وقت مضى. وأعتقد أن ‬القوة ‬بالمفهوم ‬القديم ‬لن ‬يصبح ‬لها ‬أي ‬معنى؛ ‬إذ ‬تكفي ‬حروب ‬على ‬شكل ‬هجمات ‬إلكترونية، ‬أو ‬نشر ‬أسلحة ‬فيروسية ‬مجهولة ‬المصدر، ‬للقضاء ‬على ‬الأخضر ‬واليابس.. ‬فلن ‬تعود ‬بعض ‬الدول ‬القوية، ‬كالولايات ‬المتحدة، ‬تمتلك القدرة ‬على ‬الردع ‬الاقتصادي ‬والعسكري، ‬بل ‬وحتى ‬الثقافي، ‬كما ‬كانت ‬في ‬السابق، ‬ولن ‬يعود ‬للثنائية ‬القطبية، ‬أو ‬الأحادية ‬القطبية، ‬نفس ‬المدلول ‬مع ‬صعود ‬اقتصاديات ‬الدول ‬الآسيوية ‬واقتصاديات ‬أخرى، ‬واتساع ‬رقعة ‬الأزمة ‬المالية ‬العالمية ‬والتنافس ‬التجاري ‬العالمي، ‬وتنامي ‬الجرائم ‬الإلكترونية ‬وعولمة ‬الخدمات، ‬وإعادة تشكيل ‬العلاقات ‬الدولية ‬المقبلة.


التعليقات