ياسر بركات يكتب عن : إما التعايش ..وإما الخراب

دول العالم تخوض مغامرة فتح الأسواق خوفا من شبح الكساد
تجربة الحرب العالمية استمرت عشر سنوات .. ولكن الوعى البشرى تقدم مئات السنين ومن الممكن الحفاظ على أرواح البشر بقليل من الحذر

رغم فداحة الخسائر البشريَّة والاقتصاديَّة، فإن الأزمة غير المسبوقة التي يشهدها العالم بعد تفشي وباء كورونا المستجد، قد تكون مفيدة لو أعاد الدول، والدول العربية تحديدا، التفكير في وضع استراتيجياتٍ وقائيَّة للأزمات، وبناء مراكزَ وطنيَّة دائمة لإدارة الأزمات، مُجهزة بنظامٍ معلوماتيٍّ دقيق، يكون قادرا على توفير الإنذار المبكر من الأزمات المختلفة. مع توفير نظامٍ مراقبة يقيس وينسّق أداء الجهود الوطنية.

في تعاملها مع الأزمة رأينا أجهزة الدولة مرنةً ومبتكرةً بما يكفي لإقامة نظام اقتصاديٍ ومالي وغذائي ملائم لتطورات الأزمة، لكن الإعلام لم يصنع وعياً وسلوكاً اجتماعياً مُقنعاً للمجتمع كي يقبل بنمط وروتين حياة يتوافق مع مكافحة الوباء والوقاية منه، في الوقت الذي ‏تخفّف فيه دول كثيرة القيود ‏على التنقل، و‏تهيّئ دول أخرى ‏مواطنيها ‏لـ"التعايش" مع ‏قواعد التباعد ‏الاجتماعي ‏لفترة قد تستمر ‏حتى إيجاد لقاح ‏لفيروس كورونا المستجد.

الوباء وضع العالم على مشارف أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، والكساد الكبير (1929 - 1939). فالإغلاق العالمي الكبير الذي شهدته الكرة الأرضية من حجْر منزلي، وحظر تنقل، وتباعد اجتماعي، أدَّى لتوقف قطاعات وأنشطة اقتصادية عديدة، مثل الطيران والفنادق والمطاعم والمتاجر وكثير من الصناعات، واختلالات بأسواق الأسهم والطاقة والتجارة الدولية. وتسبب في تداعيات اقتصادية سلبية على الاستهلاك والادخار والاستثمار وتشغيل اليد العاملة؛ بل إنَّه أصبح ينذر بدخول الاقتصاد العالمي مرحلة ركود سيستغرق سنوات ليتعافى منه، كما أفادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وأشارت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي في 9 أبريل، بتوقع تسجيل معدلات نمو سلبية لدخل الفرد في أكثر من 170 دولة خلال عام 2020، وأنَّ نصف دول العالم طلبت من الصندوق خطة للإنقاذ.

تقرير الصندوق لآفاق الاقتصاد العالمي الصادر في 14 أبريل، توقع بأن يشهد الاقتصاد العالمي انكماشاً حاداً بواقع 3% خلال العام الحالي. وقدر انخفاضات إجمالي الناتج المحلي بالاقتصادات المتقدمة بنسبة 6.1% (أعلاها في منطقة اليورو بنسبة 7.5%)، وبمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بنسبة 2.8%، وأمريكا اللاتينية بنسبة 5.2%. وتوقعت منظمة التجارة العالمية ببيانها الصحافي في 8 أبريل انخفاض التجارة الدولية بنسب بين 13% – 32% هذا العام. كما أظهر البيان الصحافي الصادر عن منظمة العمل الدولية بتاريخ 7 أبريل، أن الوباء سوف يؤدي إلى إلغاء 6.7% من إجمالي ساعات العمل بالعالم بالنصف الثاني من هذا العام، أي ما يقارب 195 مليون وظيفة بدوام كامل، وأنَّ ما يقارب 81% من القوى العاملة العالمية التي يبلغ عددها 3.3 مليار شخص، تأثرت بسبب الإغلاق العالمي الكبير. ومن الجدير بالتنويه هنا أنَّ عدد الأمريكيين الذين فقدوا وظائفهم خلال الأسابيع الأربعة الماضية بلغ أكثر من 22 مليون فرد، وهذا العدد يقارب مجموع العاطلين الأمريكيين في ذروة الكساد الكبير عام 1932 الذي بلغ 30 مليون شخص.

تداعيات هذه الأزمة الدولية غير المسبوقة، أظهرت أنه لا يمكن لدولة أياً كانت أن تقدر على مواجهتها بمفردها، مما يحتم حشد التعاون الدولي. وأكدت أن هذه الأزمة الإنسانية تتطلب استجابة عالمية، سعياً للتوصل إلى لقاح، وضمان توفر الإمدادات والمعدات الطبية. وهو ما لن يتحقق إلا بجهود دولية قوية منسقة واسعة المدى، مبنية على الدلائل العلمية ومبدأ التضامن الدولي.

‏المستشارة ‏الألمانية أنجيلا ‏ميركل، قالت إن بلادها لا تزال ‏في بداية الوباء، ‏وسوف يتعين ‏عليها العيش ‏معه لفترة طويلة. ‏وقالت أمام ‏مجلس النواب ‏‏(البوندستاج): ‏‏"لسنا في المرحلة ‏الأخيرة من ‏الوباء. إنما ما ‏زلنا في البداية". وانتقدت ‏المستشارة ‏الألمانية مسلك ‏بعض الولايات ‏في تخفيف القيود. ‏وقالت إن ‏تطبيق قرارات ‏الحكومة ‏الاتحادية ‏والولايات ‏الصادرة في ‏الأسبوع الماضي ‏جعل هذه ‏الولايات "واثقة ‏من نفسها ‏للغاية في بعض ‏الأمور، إن لم ‏نقل واثقة في ‏نفسها بشكل ‏زائد عن الحد"، ‏لكن ميركل لم ‏تشر صراحة إلى ‏الولايات المتحدة الأمريكية التي ‏وجهت لها هذه الانتقادات.‏

‏التصريحات ‏الألمانية تزامنت مع ‏تحذير "منظمة ‏الصحة العالمية" ‏من أن مكافحة ‏فيروس "كورونا ‏المستجد" ‏ستكون طويلة ‏الأمد. وقال ‏المدير العام ‏لـ"منظمة ‏الصحة ‏العالمية"، ‏تيدروس ‏أدهانوم حيبريسوس، في ‏مؤتمر صحافي ‏عبر الفيديو: ‏‏"لا يخطئنّ ‏أحد: أمامنا ‏طريق طويل. ‏هذا الفيروس ‏سيكون معنا ‏لفترة طويلة". ‏ويخشى مدير ‏المنظمة التابعة ‏للأمم المتحدة ‏خصوصاً تراخياً ‏في المعركة ضد ‏الفيروس الجديد ‏الذي أودى ‏بحياة 190 ‏ألف شخص ‏في العالم، منذ ‏ظهوره في ‏الصين في ‏ديسمبر الماضي.‏

من مقر ‏المنظمة في ‏جنيف، قال مدير عام منظمة ‏الصحة ‏العالمية، مساء الأربعاء، إن ‏‏"الخطر الأكبر ‏الذي نواجهه ‏اليوم هو ‏التهاون" أمام ‏الوباء العالمي، ‏مشيراً إلى أن ‏‏"العناصر ‏الأولية تبين أن ‏غالبية سكان ‏العالم لا يزالون ‏معرضين" ‏للإصابة بفيروس ‏‏"كورونا" ‏المستجد، كما ‏نقلت "وكالة ‏الصحافة ‏الفرنسية".‏

في الولايات ‏المتحدة، حيث ‏تتواصل ‏المظاهرات ‏المعارضة ‏للحجر، ‏رأى ‏الرئيس الأمريكي ‏دونالد ترامب ‏الأسبوع الماضي ‏أنه حان الوقت ‏لإعادة إطلاق ‏النشاط ‏الاقتصادي في ‏الولايات ‏المتحدة. لكن ‏ترك لحكام ‏الولايات اتخاذ ‏القرارات المناسبة ‏تبعاً لدرجة ‏خطورة الوباء ‏في ولاياتهم. وقد ‏قام بعضهم ‏بتخفيف ‏إجراءات ‏التباعد ‏الاجتماعي ‏بسرعة. لكن ‏في الولايات ‏التي ما زالت ‏تخضع لأوامر ‏الحجر، ‏يضاعف ‏الأمريكيون منذ ‏أيام المظاهرات ‏للدعوة إلى ‏إعادة إطلاق ‏عجلة الاقتصاد.‏

على الجانب ‏الآخر من المحيط ‏الأطلسي، ‏تستعد دول ‏أوروبية عدة ‏للخروج تدريجياً ‏من إجراءات ‏العزل التي ‏فرضت على ‏السكان ‏احترامها، منذ ‏الشهر الماضي. ‏وهي تفكر أيضاً ‏بإعادة إطلاق ‏بعض ‏النشاطات ‏الاقتصادية في ‏مواجهة خطر ‏الركود. فإلى ‏جانب ألمانيا، ‏بدأت النمسا ‏والنرويج ‏والدنمارك ‏تخفيف ‏إجراءات العزل، ‏مع الإبقاء على ‏بعض قواعد ‏‏"التباعد ‏الاجتماعي".‏ وكذلك، تستعد ‏إيطاليا وفرنسا ‏وسويسرا وفنلندا ‏ورومانيا ‏لتخفيف الحجر ‏بحذر. ‏واستأنفت ‏مجموعة "رينو" ‏الفرنسية لصناعة ‏السيارات ‏الإنتاج المتوقف ‏منذ 16 مارس.

البنك ‏الدولي حذر ‏من أن فيروس ‏‏"كورونا" ‏المستجد ‏والسياسات ‏الحكومية للحد ‏من انتشاره ‏يمكن أن تعطل ‏سلاسل الإمداد ‏الغذائية، وربما ‏تهدد توافر المواد ‏الغذائية، رغم ‏حفاظ الأسعار ‏على استقرارها ‏عام 2020. ‏وقال تقرير ‏لـ"البنك ‏الدولي" إن ‏أسعار المنتجات ‏الزراعية من ‏المرجح أن ‏تحافظ على ‏تماسكها أكثر ‏من النفط ‏والمعادن والمواد ‏الأولية الصناعية ‏التي شهدت ‏تراجعاً في ‏الطلب عليها ‏وسط إجراءات ‏الإغلاق التي ‏اتخذتها دول ‏العالم لمكافحة الوباء. وأضاف ‏التقرير أن ‏‏"أسعار ‏المنتجات ‏الزراعية أقل ‏ارتباطاً بالنمو ‏الاقتصادي، ‏وشهدت ‏تراجعات طفيفة ‏في الفصل الأول ‏من عام ‏‏2020. ما ‏عدا مادة ‏المطاط ‏المستخدمة في ‏المواصلات". ‏وفيما من المتوقع ‏أن تبقى ‏الأسعار ‏‏"مستقرة إلى ‏حد بعيد" هذا ‏العام "مع ‏ارتفاع مستويات ‏الإنتاج ‏ومخزونات المواد ‏الغذائية ‏الأساسية إلى ‏مستوى ‏قياسي"، حذّر ‏‏"البنك الدولي" ‏من أن المنتجين ‏قد "يواجهون ‏اضطرابات في ‏حركة التجارة ‏والموارد مثل ‏الأسمدة ‏ومبيدات ‏الحشرات ‏والعمالة".‏

من جانبها، ‏عبرت الأمم ‏المتحدة عن ‏تخوفها من ‏‏"كارثة إنسانية ‏عالمية". وقالت ‏إن عدد ‏الأشخاص ‏الذين يعانون ‏من المجاعة يمكن ‏أن يتضاعف ‏ليبلغ "أكثر من ‏‏250 مليون ‏شخص بحلول ‏نهاية 2020"، ‏على حد قولها.‏ وما زالت ‏المخاوف من ‏موجة ثانية ‏للوباء في ‏الولايات ‏المتحدة قائمة. ‏وقال المسئول ‏في قطاع الصحة ‏العامة روبرت ‏ريدفيلد، إنه ‏يخشى أن يكون ‏الوضع في فصل ‏الشتاء المقبل ‏‏"أصعب من ‏ذاك الذي مررنا ‏به للتو"، ‏بسبب تزامن ‏وجود الفيروس ‏والإنفلونزا ‏الموسمية.‏ كما وتخشى الصين ‏أيضاً التي انطلق ‏الفيروس منها ‏ومن مدينة ‏ووهان ‏بالتحديد، ‏موجة وبائية ‏ثانية أيضاً، ‏خصوصاً بسبب ‏الوافدين من ‏الخارج. وفي ‏مواجهة هذا ‏التهديد، ‏شددت مدينة ‏هاربين القريبة ‏من روسيا، يوم الأربعاء، ‏إجراءاتها ‏التقييدية.‏
هنا لا بد من طرح السؤال التالي: "كيف يعمل الاتحاد الأوروبي على التقريب النفسي والاجتماعي بين مواطنيه وجعلهم أكثر اتحاداً وأكثر صلابة في سياق العلاقات الجيوسياسية مع الصين وروسيا والولايات المتحدة؟"، هنا يبرز التحدي الأوروبي في قضايا راهنة متعددة مثل الهجرة والسياسة الخارجية والدفاع.

والأسوأ من كل ذلك أن هذا الإخفاق سوف يؤدي إلى ظهور حملة العداء السياسي لهذا الاتحاد من الشعبويين والقوميين والمتشككين من إيطاليا إلى المجر وحتى ألمانيا، وتشجعهم التعبئة الشعبية على خوض غمار الانتخابات، وتقويض أسس هذا الاتحاد، والتاريخ يمنحنا أمثلة نموذجية مثل التفكك الذي أصاب عصبة الأمم على سبيل المثال وليس الحصر.

بعض المحللين يسرفون في تخيل العالم بعد كورونا، وبعيداً عن ضرام الحرب التي يتوقعون، يعلن اليساريون أن العالم سيعود إلى الأنظمة الاشتراكية التي تسيطر فيها الدولة على كل الصناعات والمرافق العامة، لأن الأزمة كشفت ضعف وإخفاق الخصخصة في مواجهة الأزمات.. وبعضهم يرى أن العولمة انتهت، وأن العالم سيعود مغلقاً في كانتونات، وسينهار الاتحاد الأوروبي، وكل التنظيمات العابرة للقارات، وسيقوى حضور القوميات والإثنيات والخصوصيات، وستنتهي اتفاقيات التجارة الدولية، وينكفئ العالم كلٌ على مصلحته الخاصة..! وأرى في هذا وهماً كبيراً، فثورات الاتصال والمعلوماتية والتفاعل التجاري والثقافي العالمي فتحت آفاقاً لا يمكن إغلاقها. ولئن كان من الضروري معالجة الآثار الضارة للعولمة وإنهاء طغيان مصالح الأقوياء على مصالح الضعفاء، فإن توحد سكان الكوكب في إطار إنساني، يجب أن يبقى هدفاً لا رجعة عنه، بل ينبغي تعزيزه، وهذا ما تفعله الدول الخيرة،.


التعليقات