ياسر بركات يكتب عن : هل تنهى مصر صراع سد النهضة بعد مفاوضات الاتحاد الأوربى ؟! قطع رأس الأفعى

- رسائل الرئيس إلى قادة العالم تحمل شفرة الحل الخشن
- أثيوبيا كشفت عن أطماع غير متوقعة .. والدولة المصرية تتعامل بكبرياء التاريخ والحضارة
ـ الحشد الدولى مقصود لفضح تلاعب صغار أديس أبابا وإبعاد الخرطوم عن مثلث الخطر القادم

ما زالت أمام مصر حلول سياسية وقانونية، قبل الحديث عن أي خيارات خشنة، رغم ضيق الوقت. والثابت هو أن مصر لم تستخدم كل أوراقها حتى الآن. وكان إدخال الولايات المتحدة خطوة إيجابية، إذ أظهرت مصر أمام العالم تعنت إثيوبيا، وجعلت واشنطن والبنك الدولي في صفها.

مصر طالبت الاتحاد الأوروبي، الخميس الماضي، بأن يحث إثيوبيا على توقيع اتفاق الملء والتشغيل؛ حفاظاً على الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي. وفي جولة أوروبية لوزير الخارجية سامح شكري، تشمل بلجيكا وفرنسا، قام بالتشاور حول الملفات الإقليمية والدولية، وبحث تطورات (سد النهضة)". وأجرى شكري، لقاءات مع مسئولي مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث طالب "قيام الاتحاد الأوروبي بحث إثيوبيا على توقيع اتفاق الملء والتشغيل".

الجولة الأوروبية جاءت في أعقاب جولة عربية لشكري شملت 7 دول. بعد أن تعثرت المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان، الدائرة منذ نحو 4 أشهر، برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي، بسبب تخلف إثيوبيا عن حضور الإجتماع الأخير في واشنطن، نهاية فبراير الماضي، وهو الاجتماع الذي كان مخصصاً لتوقيع اتفاق نهائي، بخصوص قواعد ملء وتشغيل السد، الذي تبنيه أديس أبابا منذ 2011، وتتحسب مصر لتأثيراته على حصتها في مياه النيل.

وزير الخارجية عقد لقاءات مع عدد من القادة الجدد لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، لبحث تطورات علاقات التعاون، وسبل تعزيز أوجه الشراكة القائمة بين مصر والاتحاد الأوروبي في مختلف المجالات، إضافة إلى استعراض رؤية مصر إزاء سائر الملفات الدولية والإقليمية، وعلى رأسها الأزمة الليبية، وتطورات الأوضاع على الساحة الفلسطينية، إضافة إلى الموضوعات المتعلقة بالإرهاب، والهجرة غير المشروعة.

خلال لقاء يوهانس هان، مفوض الاتحاد الأوروبي للميزانية والإدارة، أعرب شكري عن تطلع بلاده لفتح مزيد من قنوات الحوار والتواصل مع طاقم المفوضية الأوروبية الجديد، لإحداث نقلة نوعية في مسار العلاقات المصرية الأوروبية، بما يعكس المصالح المتبادلة والرغبة في مجابهة التحديات المشتركة"، مؤكداً "ضرورة أن تعكس علاقات التعاون بين مصر والاتحاد الأوروبي البعد الاستراتيجي للشراكة بينهما"، مشيداً "بدور "هان" في التأكيد على أهمية وتعاظم وتشابك المصالح المشتركة بين مصر والاتحاد الأوروبي، في ظل إلمامه بمختلف أبعاد العلاقات بين الجانبين لسابق توليه مهام مفوض لسياسة الجوار الأوروبية ومفاوضات التوسع".

المفوض الأوروبي للميزانية والإدارة ثمّن من جانبه دور مصر كركيزة للاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن "الاتحاد الأوروبي يدعم الجهود المصرية لتحقيق التنمية المستدامة والسعي لتسوية الأزمات الإقليمية، كما حرص "هان" على الاستماع للرؤية المصرية إزاء الملفات الإقليمية والدولية".

من بين الدول الثلاث المعنية بالمفاوضات في "سد النهضة"، وحدها مصر أبدت تأييدها لمسودة اتفاق واشنطن، واصفة إياه بأنه "عادل ومتوازن". في حين عدت القاهرة غياب أديس أبابا، "متعمداً" بهدف "إعاقة مسار المفاوضات"... وسبق أن تلقت مصر دعماً عربياً، عبر قرار لمجلس وزراء الخارجية العرب أخيراً، "حيث رفض المساس بالحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، أو الإضرار بمصالحهما"، باعتباره "جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي".

في السياق ذاته، التقى شكري، المفوض الأوروبي لسياسة الجوار ومفاوضات التوسع، أوليفر فاريلي، وتناول اللقاء أوجه الشراكة التي تجمع بين مصر والاتحاد الأوروبي في المجالات المختلفة. وشدد شكري على الأهمية التي توليها مصر لمواصلة العمل نحو تعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي تقوم على التعاون بين شركاء من أجل تحقيق الاستقرار والأمن لشعوب ضفتي المتوسط. كما أكد وزير الخارجية على ضرورة دفع التعاون التنموي بين الجانبين، وأهمية تشجيع الشركات الأوروبية على إقامة مزيد من المشروعات في مصر، وتحفيز المؤسسات الاستثمارية الأوروبية على العمل بصورة أكبر في السوق المصرية".

اللقاء تطرق إلى التحديات المشتركة التي تواجه مصر والاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها ظاهرة الهجرة غير المشروعة، حيث استعرض شكري جهود مصر في هذا الصدد، موضحاً أن "مصر استطاعت أن توقف تدفقات الهجرة غير المشروعة من السواحل المصرية منذ سبتمبر 2016". في حين أعرب المفوض الأوروبي لسياسة الجوار ومفاوضات التوسع عن "تقدير الاتحاد الأوروبي لهذه الجهود المصرية، واستعداده لتقديم ما يلزم من دعم لها في المرحلة المقبلة".

وفي فرنسا، سلم وزير الخارجية رسالة من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تتعلق بتطورات السد، وعقد جلسة مباحثات، يوم الجمعة، بالعاصمة الفرنسية باريس، مع جان إيف لودريان، وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك. وشدد وزير الخارجية على أهمية قيام فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، ببذل جهودهم لدفع إثيوبيا للتوقيع على اتفاق ملء وتشغيل السد، حفاظاً على الأمن والاستقرار بمنطقة القرن الأفريقي.

النقاش حول القضايا الإقليمية، استحوذ على الجزء الأكبر من المباحثات، في إطار حرص القاهرة وباريس على مواصلة التشاور والتنسيق حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتم تبادل الرؤى إزاء سبل إعادة الأمن وتسوية الأزمات في منطقة الشرق الأوسط، حيث اتفق الوزيران على أهمية استمرار التنسيق حول ليبيا، في ضوء التوافق على ضرورة الحل السياسي الشامل، ومكافحة الإرهاب، ورفض التدخلات الخارجية. كما تم التأكيد على الالتزام بالتسوية السياسية في سوريا بما يحافظ على وحدتها وسلامتها الإقليمية. وأعرب لودريان عن تقديره للدور المهم والمركزي، الذي تلعبه مصر لتعزيز الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، واعتزاز بلاده بالعلاقات المتشعبة مع مصر، وأهمية العمل على تعزيز هذه العلاقات، والارتقاء بها إلى مستويات أفضل خلال الفترة المقبلة، بالإضافة إلى استمرار التنسيق والتشاور، إزاء كافة المسائل محل اهتمام الجانبين.

لا سبيل أمام التعنت الإثيوبي سوى تصحيح المسار، والعودة إلى الإطار القانوني والسياسي الذي يحمي حقوق مصر المائية، وفقاً للقانون الدولي، وهو ما يعني التمسك بقاعدة الإخطار المسبق. غير أن المواقف الإثيوبية الأخيرة جعلتها فاقدة تماماً للمصداقية دولياً، وأظهرت بجلاء أنها لا تريد فقط توليد الطاقة، بل تتصرف بصفتها مالكة للنهر، الأمر الذي قد يعرّض منطقة حوض النيل لخطر الانزلاق إلى صراع طويل المدى، بعدما أثبتت مصر طوال السنوات الماضية، وبكل الوسائل، مدى حرصها على نهج التعاون واقتسام المصالح، والتشارك في التنمية.


التعليقات