ياسر بركات يكتب عن : مع تقدم اليمين المتطرف بقيادة السفاح ..تشكيل الحكومة الإسرائيلية.. الأزمة مستمرة

للمرة الثالثة، خلال أقل من سنة، فشل بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في تحقيق أغلبية برلمانية مع حلفائه المتشددين، بحسب النتائج النهائية للانتخابات الإسرائيلية. بما يعني أن مزيدا من الجمود سيحيط بالساحة السياسية الإسرائيلية طوال شهور قادمة. بعد.أن وصلت الجولتان الانتخابيتان السابقتان، في أبريل وسبتمبر، إلى طريق مسدود.

رئيس الوزراء الإسرائيلي، المتهم بسلسلة من ملفات الفساد، احتفل الثلاثاء الماضي بما زعم أنه "الانتصاره الكبير"، الذي جاء "رغم كل الصعاب"، في الانتخابات التشريعية التي كانت حاسمة لبقائه السياسي. وأظهرت استطلاعات أجرتها 3 قنوات تلفزيونية أن الكتلة اليمينية وعمادها الليكود الذي ينتمي اليه نتنياهو، ستحصل على 60 مقعدا، وستكون بحاجة إلى صوت واحد إضافي لتشكيل حكومة بأغلبية 61 نائبا، من أصل 120 في الكنيست.

بعد انتخابات غير حاسمة في أبريل وسبتمبر 2019، عاد الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع، الاثنين. وجاءت الانتخابات الثالثة بعد فشل نتنياهو ومنافسه الرئيسي زعيم تحالف "أبيض أزرق" الجنرال السابق بيني جانتس، في تشكيل تحالف الأغلبية في الكنيست خلال الأشهر الماضية. ويلاحق القضاء الإسرائيلي نتنياهو باتهامات الرشوة وخيانة الأمانة والاحتيال، وتتعلق بمزاعم عن تقديمه مزايا قيمتها مئات الملايين من الدولارات لأقطاب إعلام إسرائيليين في مقابل هدايا وتغطية إيجابية له. ومن المقرر بدء محاكمة نتنياهو في 17 مارس الجاري، حيث من المرجح أن تكون المداولات على أشدها حول تشكيل ائتلاف بعد الانتخابات.

خلال الحملة الانتخابية، ركز جانتس على اتهام نتنياهو بالفساد، قائلا إنه يريد البقاء في السلطة من أجل الترويج لتشريع يمنع السلطات من محاكمة رئيس وزراء في السلطة. إذ إن عددا من وسائل الإعلام وقادة سياسيين ودبلوماسيين رأوا في حكمه تهديدا للديمقراطية.

نتنياهو هو أول رئيس وزراء في إسرائيل يتم اتهامه في قضايا فساد وهو في الحكم. وقد حكم نتنياهو (70 عاما) إسرائيل لمدة 14 عاما، منها 11 عاما متواصلة، ليكون الزعيم الأكثر بقاء في السلطة، ووصفته صحيفة "جيروزلم بوست" الإسرائيلية بـ"الساحر السياسي"، بعد أدائه في الانتخابات. وقالت الصحيفة إن مفتاح نجاحه يتمثل في قيادة حملة انتخابية رائعة، مضيفة: "لا أحد ينظم حملات أفضل من نتنياهو".

رئيس الوزراء الإسرائيلي ركز في حملته الانتخابية على "التخويف من اليسار" و"الفخر الصهيوني واليهودي"، فضلا عن ترويجه الكبير لعدد من الإنجازات في المجالات الأمنية والدبلوماسية والاقتصاد. وتعهد نتنياهو بضم غور الأردن والمستوطنات في الضفة الغربية المحتلة خلال الحملة الانتخابية، في خطاب دغدغ آمال كثيرين في إسرائيل. ويبدو أن المؤيدين لنتنياهو من معسكر اليمين لا يرى مشكلة في فساده.

الانتصار الموصوف بـ"التاريخي" الذي حققه مرشحو "القائمة المشتركة" العربية بحصولهم على 15 مقعداً في الكنيست المؤلف من 120 نائباً، لم يعطِ فلسطينيي الأراضي المحتلة سنة 1948 العدد الأكبر من الممثلين، منذ أن قرروا المشاركة في الحياة السياسية الإسرائيلية فحسب؛ بل نقلهم إلى موقع بالغ التأثير في تشكيل الحكومة المقبلة. فبعد إصرار جانتس على النأي بنفسه عن الوسط العربي - وهو ما أدى إلى خسارته للقسم الأكبر من الأصوات العربية التي صبت لمصلحته في انتخابات أبريل وسبتمبر 2019 - عاد إلى التلميح إلى إمكان تشكيل حكومة مع نواب "القائمة المشتركة" ما أثار غضباً شديداً في معسكر "الليكود" الذي خرج زعيمه نتنياهو لاتهام جانتس "بزعزعة أسس الديمقراطية عبر الارتباط مع مؤيدي الإرهابيين".

لا يسع أياً من الحزبين الكبيرين: "الليكود" و"أزرق أبيض" بلوغ الرقم السحري 61، الضروري لتشكيل حكومة أكثرية، إذا لم يتخذا خطوات تنطوي على مغامرات تصل إلى مستوى التهديد الوجودي للحزبين: "الليكود" وحلفاؤه الذين حصلوا على 58 مقعداً (بعد فرز 99% من الأصوات) يحتاجون إلى ثلاثة مقاعد ليست في متناولهم. "إسرائيل بيتينو" بزعامة وزير الدفاع السابق حصل على سبعة مقاعد؛ لكن القوى الدينية: "شاس" و"يهودوت هاتوراه"، ترفض التعاون مع ليبرمان الذي يبادلها الجفاء. من جهة ثانية، لا يحبذ نتنياهو حضور ليبرمان في الحكومة، نظراً إلى المنافسة الشديدة بين الرجلين على زعامة اليمين؛ بل إن ليبرمان لم يتردد قبل أسابيع قليلة في الإعلان عن نهاية نتنياهو السياسية، واختتام حقبة زعامته لليمين.

في المقابل، لا تبدو آمال "أزرق أبيض" أفضل. فالتحالف فاز بثلاثة وثلاثين مقعداً؛ لكنه غير قادر على إيصال العدد إلى 61 نائباً مؤيداً لجانتس، حتى لو تحالف مع ائتلاف يسار الوسط "العمل - جيشر - ميريتز" الذي حظي بسبعة مقاعد. الفرصة الوحيدة أمام جانتس هي جذب "القائمة المشتركة" إلى حكومة برئاسته، خارقاً بذلك التعهد الذي قطعه أثناء الحملة الانتخابية بعدم التعاون "مع غير الصهاينة"، أي مع نواب من غير اليهود.

حكومة الوحدة الوطنية التي تضم الحزبين الكبيرين تواجه - من جهتها - عقبات كبيرة؛ ذاك أن نتنياهو بات مقتنعاً بأنه حقق انتصاراً كبيراً على المؤسستين السياسية والقضائية في إسرائيل، من خلال تحويل الاتهامات الموجهة ضده بالفساد إلى حملة على القضاء الإسرائيلي، الذي صوره زعيم "الليكود" بأنه القلعة الأخيرة للأشكيناز الذين حكموا إسرائيل بين قيامها والتسعينات، ومارسوا التمييز ضد السفارديم الذين يدافع نتنياهو منذ انتخابه في المرة الأولى سنة 1996 عن مصالحهم. يضاف إلى ذلك أن نتنياهو أفلح في جذب جانتس إلى ساحته المفضلة، من خلال إطلاق التصريحات المعادية للعرب، والتحذير من دورهم السياسي وخطرهم الثقافي، ما أوقع جانتس في فخ هذا السباق، وأدى إلى خسارته القليل من التعاطف الذي أبداه قسم من الناخبين العرب في الدورتين السابقتين؛ بل جعله يتخذ مواقف أكثر تشدداً وتطرفاً مما كان يرغب؛ حفاظاً على شعبيته بين أنصار اليمين الإسرائيلي.

بهذا الشكل، ستكون حكومة الوحدة الوطنية بلسماً للجراح القاتلة التي أصاب نتنياهو بها خصمه الأهم، وفرصة لجانتس لالتقاط الأنفاس، والاستعداد لجولة مقبلة من الصراع على السلطة. وهذا طبعاً ما لا يود نتنياهو رؤيته بحال من الأحوال. وفي المقابل، وعلى الرغم من التهويل الذي أحاط نتنياهو به الاتهامات الموجهة ضده، فإنه لا مفر أمامه من المثول أمام قاضي التحقيق في القدس خلال الأسبوعين المقبلين، ما سيترك آثاراً كبيرة على قدرته على تشكيل أي تحالف حكومي، وحتى على صورته كقائد عائد من معارك طاحنة.


التعليقات