لعنة الصكوك..خطة حكومة مصطفى مدبولى للإفلات من شبح فشل "مبارك" و "مرسى"

بعد 12 عامًا من النقاش والجدل، ما زال مشروع محمود محيى الدين وزير الاستثمار الأسبق، المعروف بـ "الصكوك"، يفرض نفسه على خطط الحكومة الاقتصادية، ومؤخرًا أعلن الدكتور محمد معيط، وزير المالية، عن الانتهاء من إعداد مشروع قانون جديد للصكوك السيادية الحكومية، وإحالته إلى مجلس الوزراء لاتخاذ الإجراءات اللازمة لعرضه على مجلس النواب لإصداره، موضحًا أن الصكوك السيادية الحكومية تُعد أحد أنواع الأوراق المالية السيادية التي ستصدرها وزارة المالية، بغرض تمويل الموازنة العامة للدولة.
صكوك "السيسى"
"معيط" قال إن إصدار الصكوك السيادية الحكومية ستُسهم في جذب مستثمرين جدد ممن لا يستثمرون في الإصدارات الحكومية الحالية من الأوراق المالية أو أدوات الدين، بما يوفر ويجذب تمويلاً وسيولة إضافية للاقتصاد المصرى وأيضًا يخفض تكلفة تمويل الاستثمارات، ومن المتوقع زيادة استثمارات المستثمرين الحاليين في الإصدارات الحكومية الذين يحرصون على تنويع أنشطتهم الاستثمارية من خلال أدوات جديدة؛ خاصة أن هذه الصكوك تصدر طبقًا للصيغ المتوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وأن حجم أموال هذه الشريحة من المستثمرين في تزايد مستمر منذ بداية التسعينيات.
وزير المالية أوضح أن إصدار هذه الصكوك يأتي في إطار سعي وزارة المالية نحو تحسين الأداء المالي وتحقيق المستهدفات قصيرة وطويلة الأجل، والحد من عجز الموازنة العامة للدولة، وذلك من خلال عدة وسائل، منها: استحداث الآليات والوسائل لتمويل عجز الموازنة العامة للدولة، وتنويع مصادر التمويل بتقديم منتجات جديدة لسوق أدوات الدين، وتطوير آلياته وتحفيز الطلب على الإصدارات الحكومية من الأوراق المالية وأدوات الدين التي يتم إصدارها بالعملة المحلية أو بالعملات الأجنبية.
الوزارة أضافت أن إصدار الصكوك يكون على أساس الأصول المملوكة للدولة ملكية خاصة، وذلك عن طريق بيع حق الانتفاع بهذه الأصول دون حق الرقبة، أو عن طريق تأجيرها، أو بأي طريق آخر يتفق مع عقد إصدار هذه الصكوك، وفقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية، على أن يصدر بتحديد الأصول الثابتة والمنقولة المملوكة للدولة «ملكية خاصة» التي تصدر على أساسها الصكوك قرار من رئيس مجلس الوزراء، بحيث تكون هناك آلية لتقييم حق الانتفاع بالأصول التي تصدر على أساسها الصكوك أو مقابل تأجيرها لهذا الغرض، ويُحظر استخدام الأصول الثابتة والمنقولة المملوكة للدولة ملكية عامة، أو منافعها في إصدار الصكوك السيادية الحكومية.
وأوضحت الوزارة أنه سيتم إصدار الصكوك في شكل شهادة ورقية أو إلكترونية بالمواصفات التي تحددها اللائحة التنفيذية، وتكون اسمية، ومتساوية القيمة، وتصدر لمدة محددة بالجنيه المصري أو بالعملات الأجنبية عن طريق طروحات عامة أو خاصة بالسوق المحلي أو الأسواق الدولية، ومنها المضاربة، والمرابحة، والإجارة، والاستصناع، والوكالة.
وتابع البيان أنه سيتم إصدار الصكوك السيادية الحكومية طبقًا لأي من الصيغ المتوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية التي تقرها الهيئة الشرعية، وعلى أساس عقد شرعي أو أكثر من العقود المطابقة لتلك المبادئ، ويخضع إصدارها، وتداولها واستردادها للضوابط الشرعية والقواعد والإجراءات التي تطبق على التعاملات والتداولات للإصدارات الحكومية من الأوراق المالية وأدوات الدين، لافتًا إلى أنه سيتم إنشاء شركة مملوكة للدولة لإدارة وتنفيذ عملية إصدار الصكوك السيادية الحكومية تكون وكيلاً عن حملة الصكوك.
ولفت إلى أن الحد الأقصى لمدة تقرير حق الانتفاع بالأصول الثابتة التي تصدر على أساسها الصكوك أو مدة تأجيرها ثلاثين عامًا التزامًا بأحكام الدستور، ويجوز إعادة تأجير هذه الأصول للجهة المستفيدة، مؤكدًا أنه يحظر الحجز أو اتخاذ إجراءات تنفيذية على الأصول التي تصدر على أساسها الصكوك، مع بطلان أي إجراء أو تصرف مخالف لذلك، وتقرير عقوبة جنائية على المخالفين.
وأوضح أنه يتم تداول الصكوك السيادية الحكومية، مع الالتزام بالمعايير الشرعية المقررة، وبما تنص عليه نشرة الإصدار، على أن يتم قيد ما يتم إصداره من هذه الصكوك في مصر بالعملة المحلية أو الأجنبية بجداول بورصة الأوراق المالية، وحفظها بشركة الإيداع والحفظ المركزي، أما ما يتم إصداره من الصكوك خارج مصر "الصكوك الدولية" بالعملات الأجنبية فيتم قيده بالبورصات الدولية وفقًا للقواعد المتبعة للإصدارات الحكومية الدولية.
وأضاف البيان أن الهيئة الشرعية، تضم خمسة أعضاء، يجوز زيادتهم إلى سبعة أعضاء، وترشح هيئة كبار العلماء بالأزهر ثلاثة منهم من علماء الأزهر المعتمدين، ويرشح الوزير المختص الاثنين الآخرين من أساتذة الجامعات المتخصصين في مجالات التمويل الإسلامي محليًا ودوليًا، على أن يصدر بتشكيل الهيئة، ونظام عملها، وتحديد مقرها، قرار من رئيس مجلس الوزراء.
وأشار البيان إلى أن رئيس الوزراء سوف يصدر اللائحة التنفيذية لقانون الصكوك السيادية الحكومية، خلال ثلاثة أشهر بعد إصدار القانون والعمل به، موضحا أنه تم نشر مشروع قانون الصكوك السيادية الحكومية، على الموقع الإلكترونى لوزارة المالية «http://www.mof.gov.eg»؛ تمهيدًا لإدارة حوار مجتمعى حوله.
"رأى الخبراء"
ومن جانبهم، رحّب خبراء ماليون بإعلان وزارة المالية الانتهاء من إعداد مشروع قانون جديد للصكوك السيادية الحكومية وإحالته لمجلس الوزراء، تمهيدًا لعرضه على مجلس النواب وإقراره حال حصوله على الموافقة النيابية.
وقال محسن عادل، نائب رئيس الجمعية المصرية لدراسات التمويل والاستثمار، فى تصريحات صحفية، إن أهمية الصكوك تبرز فى الوقت الراهن من اتساع نطاق تطبيقها، على المستويين الإقليمى والدولى، حيث اتجهت المؤسسات المالية والمصرفية إلى تبنى تطبيق تلك الصكوك كأحد مصادر التمويل التى تلائم رغبات العديد من المستثمرين، كما أن سوق الصكوك قد نمت وزاد استخدامها بشكل ملحوظ فى العقد الأخير.
وأشار إلى وجود توافق عام على أن الصكوك إحدى أدوات التمويل المهمة التى تلعب دورًا بارزًا فى تمويل الاستثمار، وتستخدمها الشركات الخاصة والبنوك والحكومات وغيرها من الجهات الاعتبارية لتمويل أنشطتها ومشروعاتها المختلفة أو التوسع فيها.
وشدد على ضرورة الاستفادة من هذه الأداة فى إطار خطة الدولة نحو تطوير الأدوات المالية وتنويعها لزيادة قدرة الشركات والحكومة وغيرها من الجهات الاعتبارية المختلفة فى الحصول على التمويل، لما فى ذلك من أثر إيجابى على زيادة حجم الاستثمار والتشغيل فى الاقتصاد القومى، وعلى تمكين تلك الجهات من تنويع مصادر تمويلها، ولتلبية احتياجات شريحة كبيرة من الأشخاص الاعتبارية العامة والخاصة والشركات الراغبة فى تمويل أنشطتها ومشروعاتها أو التوسع فيها عن طريق الصكوك، وكذلك تفضيل العديد من المستثمرين هذه الأداة من أدوات الاستثمار.
وتابع: «إصدار الصكوك خلال الفترة الحالية يهدف لتنويع مبتكر لمصادر تمويل الدولة وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتوفير احتياجات الدولة من شراء سلع وإقامة مشروعات ودعم الموازنة العامة، وجذب شريحة جديدة من المستثمرين تتمتع بالسيولة، وتعظيم الاستفادة من ممتلكات الدولة، ودعم تمويل مشروعات المشاركة مع القطاع الخاص «PPP»، إضافة لبناء منحنى عائد من إصدارات الصكوك».
صكوك "مبارك"
تعود بداية ظهور الصكوك لعام 2008، حينما أعلن وزير الاستثمار فى ذلك الوقت "محمود محيى الدين" عن "الصكوك الشعبية"، ودافع عنه بقوة وزير المالية "يوسف بطرس غالى" آنذاك.
وكان المشروع، الذى سمى أيضًا "إدارة الأصول المملوكة للدولة"، يتضمن توزيع ملكية 86 شركة من شركات القطاع العام، فى صورة صكوك تعطى مجانًا، ودون تمييز، للمواطنين الذين يزيد عمرهم على 21 عاما، وأن يتم هذا التوزيع فى مدة لا تتجاوز سنة ونصف السنة، وأن يكون لهؤلاء الملاك الجدد حق التصرف فيها بالبيع إذا شاءوا، أو الاحتفاظ بها والحصول على عائدها.
وظهر وزير المالية فى عهد مبارك على شاشة التليفزيون وقال إن الشركات التى يتضمنها المشروع الجديد تنتج أشياء مثل البسكويت والملابس الداخلية، مع أنها فى الحقيقة تضم شركات من أكبر وأهم الشركات الصناعية المصرية كالحديد والصلب والألومنيوم، أضف إلى ذلك أن المشروع لم يذكر على سبيل الحصر أسماء الشركات التى سيشملها المشروع، بل استخدم أسلوب ذكر الأمثلة، مما يفتح الباب لعملية كبرى من البيع بالجملة.
وواجه مشروع صكوك محى الدين، موجةً من الانتقادات والرفض المُطلَق، وأكد الرافضون أنه الكارثة الحقيقية التي سوف تأتي على ما تبقَّى من الاقتصاد القومي الذي كان يعيش حالةً من الهشاشة ولين العظام، وأنه سيفتح أبواب جهنم على مصر ويجعلها بعد تنفيذ القانون تحت سيطرة اللوبي الصهيوني.
صكوك "مرسى"
وفى ظل نظام الدكتور محمد مرسى ظهر من جديد ما سمى بمشروع "الصكوك الإسلامية"، وكان مجلس الشورى الذي يهيمن عليه حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين قد أقر القانون وأحاله إلى مرسي مما أثار غضب الأزهر لأنه لم يعرض على هيئة كبار العلماء أولًا وفقًا للدستور الجديد.
ورفض الأزهر الشريف، فى جلسة مجمع البحوث الإسلامية الطارئة، اليوم، برئاسة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، مشروع قانون الصكوك الإسلامية السيادية، نظرا لوجود مخالفات شرعية فى بعض بنوده، منها كلمة "سيادية"، حيث أبدى أعضاء المجمع تخوفهم من عدم جواز الطعن على التصرفات والقرارات الناجمة عن المشروع، وتحصينها بشكل غير قابل للنقاش والاعتراض، بما يفتح الباب لوجود مخالفات فيما بعد.
واعترض الأزهر على حق تملك الأجانب من غير المصريين للصكوك، باعتباره مخالفًا للشرع، لأنه لا يجوز لأجنبى التصرف فى الأموال والأصول الثابتة المملوكة للشعب، فضلا عن عدم وجود ما يضمن الحفاظ على حقوق الأفراد، ممن يمتلكون الصكوك.
وجاء القرار بناءً على توصية لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية، التى استعانت بـ3 من خبراء الاقتصاد الإسلامى، وشارك فيها الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية، والدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الفقه المقارن، والدكتور عبد الفتاح الشيخ رئيس جامعة الأزهر الأسبق، حيث ناقشت اللجنة المشروع على مدار يومين، وكتبت تقريراً يرصد المخالفات ويوصى برفض البنود المقترحة.
وبعدها بأسبوعين بحث الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، مع الدكتور المرسي حجازي، وزير المالية آنذاك، مشروع الصكوك الإسلامية.
و قال الوزير إن وزارة الماليَّة أخَذت بالملاحظات التي أبداها أعضاء مجمع البحوث الإسلاميَّة، وسيتمُّ عرض المشروع الجديد لأخْذ رأيه، ليكون متوافقًا مع مبادئ الشريعة الإسلامية، مضيفًا أنَّ المشروع الجديد سيظهر إلى النور بعد أنْ يتمَّ الاتفاق عليه من الجهات المعنيَّة، وهو في مراحله الأخيرة، مما سيفتح أبواب الاستثمار وتدفُّق الأموال، التي تعتبر المنطلَق الرئيسي للنهوض والتنمية؛ حتى تبدأ عجلة العمل والإنتاج.
وأوضح «حجازي » أنَّ خطة الحكومة في الفترة القادمة هي التركيز على البُعد الاقتصادي؛ حتى يظهر أثَرُه على المواطنين في المرحلة القادمة.
وختم شيخ الأزهر حديثه بأنَّ الأزهر يُساند أيَّ مشروع يُوافق الشريعة الإسلامية، ويُحقِّق التنمية الاقتصادية ومصالح البلاد والعباد.
أسباب رفض صكوك مبارك ومرسى
أما أسباب رفض مشروع صكوك مرسى ومشروع الصكوك الذى أعلنه محمود محيى الدين، وزير الاستثمار، فى عصر مبارك، فقد أوضحها صلاح حيدر- المحلل المالى- قائلًا إن مشروع صكوك التمويل الذى تم مناقشته أيام مرسى يختلف تمامًا عن الصكوك الشعبية التى طرحها وزير الاستثمار الأسبق الدكتور محمود محيى الدين فى عهد مبارك.
وأوضح أن الخلط بينهما يرجع إلى عدم فهم طبيعة صكوك التمويل كأداة لتمويل المشروعات، فى حين أن المشروع الذى قدمه محمود محيى الدين كان يهدف إلى توزيع الأسهم المملوكة للدولة فى الشركات العامة على المواطنين، بما كان سيتسبب فى تفكيك مفرط يؤدى فى النهاية إلى تحول ملكية الشركات والأصول المملوكة للدولة إلى ملكية جهات أخرى ذات ملاءة مالية كبرى فى الغالب كانت ستتمثل فى المستثمرين الأجانب، كما حدث سابقًا فى التجربة التشيكية.
وقال حيدر إن مشروع صكوك مرسى كان به ثلاثة عيوب، وهى أن مشروع القانون لم يقدم ضمانات كافية لعدم تحكم جهة أو مؤسسة فى إصدار الصكوك، كما أن اسم المشروع لا يعبر بشكل كاف، حيث ربط المواطنون بين المشروع وعجز الموازنة، وأنه يهدف فقط إلى تسديد عجز الموازنة العامة للدولة، فى حين أنه من المفروض أن يهدف إلى تمويل المشروعات التنموية، حتى لا يتحول مشروع الصكوك إلى كارثة تضيع على أثرها أصول الدولة، من خلال مديونيتها، حتى ولو لم يتم بيعها للأجانب صراحة، بالإضافة إلى أن المشروع لم يحدد جهة معينة لمراقبة إصدارات الصكوك، مثلما يراقب البنك المركزى حاليًا إصدارات وزارة المالية من سندات وأذون الخزانة.


موضوعات ذات صله

التعليقات