ياسر بركات يكتب عن : 46 عاماً النسور ما زالت تحلق فى سماء الوطن

عندما انطلقت صفارات الإنذار فى أنحاء إسرائيل تحذر من الإعصار المصرى

جنرالات العالم ما زالوا يبحثون عن أسرار الجندى المصرى الذى خاض الحرب بسلاح «الكرامة والثأر»

الأبطال أذهلوا العالم وحطموا كل قواعد الحروب السابقة وهدموا استراتيجيات عسكرية بسلاح الصبر والإرادة

العبور لم يكن مشهداً فى السينما .. لكنه كان حصاد جهد وعرق استمر سنوات

مرت أمس الأحد الذكرى السادسة والأربعون لنصر أكتوبر، رابع مواجهة عسكرية بين الدول العربية وإسرائيل، والتى جاءت بعد فترة طويلة من التخطيط وضغط مصرى على الاتحاد السوفيتى لتعويض الأسلحة والمعدات التى فقدناها فى حرب ١٩٦٧.

الظروف التى أحاطت بحرب أكتوبر 73 كانت شديدة الصعوبة وبالغة التعقيد أمام مصر وقواتها المسلحة، ونجح المصريون فى تخطى كثير من هذه الصعوبات وجانبهم التوفيق فى مواقف عدة، وسنعرض هنا لهذه العوامل والظروف الدولية السياسية والعسكرية حتى نوضح ما قامت به مصر وقواتها المسلحة، بعد أن حفرت مصر وقواتها المسلحة بتلك الحرب اسمها فى سجل الشرف العسكرى ضاربة للعالم كله مثال الشعب العريق الذى استطاع بسواعد أبنائه وعرق ودماء شهدائه أن يحول الهزيمة إلى نصر عظيم يضع مصر وشعبها العريق فى المكانة التى تستحقها بين الأمم.

كانت حرب أكتوبر حدثا فريدا بلا شك، بل نقطة تحول فى مسار الصراع العربى الإسرائيلى وكان من أبرز سمات حرب أكتوبر هو ظهور كفاءة المقاتل المصري، ومدى ارتفاع مستوى نوعيته وقدرته على استيعاب واستخدام الأسلحة الحديثة والمعقدة بما فيها الأسلحة الإليكترونية، وقد أثبتت حرب أكتوبر إن الحرب باهظة التكاليف فادحة الخسائر، وأن من المستحيل على أى دولة صغيرة أن تستمر فى القتال لمدة طويلة دون أن تتلقى الإمدادات من دولة عظمى تساندها ساعدت كل من الإمدادات الأمريكية التى زودت بها الولايات المتحدة إسرائيل عن طريق الجسرين البحرى والجوي، والإمدادات السوفيتية التى أمد بها الاتحاد السوفيتى سوريا ومصر عن طريق الجسرين البحرى والجوي، على إمكانية استمرار الطرفين فى هذه الحرب طوال المدة التى استغرقتها .كما شهدت حرب ١٩٧٣ بروز استراتيجية عربية أكثر اتحادا فى الحظر البترولى الذى أعلنته الدول العربية المنتجة للبترول (أوبك) وساعد ذلك الحظر على إعادة تحديد الدور السياسى العالمى للدول العربية .

عقب النكسة عكف الجيش المصرى على دراسة العدو دراسة دقيقة ومتأنية تعتمد على الحقائق والدقة، كما تم دراسة الأمن الإسرائيلى ونقاط القوة ونقاط الضعف، ثم تحليل النتائج لبناء خطط الحرب. وبعد 20 يوما، تحديدا يوم 1 يوليو 1967 دارت معركة رأس العش عندما تقدمت قوة إسرائيلية من مدينة القنطرة شرق فى اتجاه بور فؤاد فتصدت لها القوات المصرية ودارت معركة رأس العش»، حيث تمكنت سرية من قوات الصاعقة عددها 30 مقاتلا من قوة الكتيبة 43 صاعقة بقيادة المقاتل سيد الشرقاوى من عمل خط دفاعى أمام القوات الإسرائيلية، ودمرت 3 دبابات للعدو، وأجبرته على التراجع، ثم عاود العدو الهجوم مرة أخرى وفشل فى اقتحام الموقع بالمواجهة أو الالتفاف، ودمرت قوات الصاعقة عددا من العربات نصف جنزير وقتلت عددا من القوات المهاجمة فأجبرتها على الانسحاب وظل قطاع بور فؤاد هو الجزء الوحيد من سيناء تحت السيطرة المصرية حتى قيام الحرب. وفى يوم 14 يوليو 1967 استهدفت القوات البحرية تشوينات أسلحة وذخائر الجيش الإسرائيلى وتم تدميرها، وفى 21 أكتوبر من نفس العام استخدمت الصواريخ البحرية لأول مرة فى تدمير المدمرة إيلات وإغراقها أمام بورسعيد وعرفت هذه المرحلة التى أعقبت النكسة بمرحلة الصمود.

هكذا بدأت القوات المسلحة تنفيذ مرحلة الدفاع النشط، واستمرت هذه المرحلة من سبتمبر عام 1968 وحتى 8 مارس 69، حيث نفذ الجيش غارات قوية على العدو. ونتيجة للأعمال الانتقامية التى نفذها الجيش خلال تلك الفترة قرر العدو إنشاء أقوى ساتر ترابى فى تاريخ البشرية وهو «خط بارليف»، حيث أنشأت إسرائيل ساترا ترابيا على الضفة الشرقية للقناة وأنشأت بداخله نقاطا حصينة وسلحتها بأحدث المعدات القتالية ظناً أنها ستكون الحدود الأبدية لإسرائيل.

كان قرار حرب الاستنزاف يوم 8 مارس 1969 وفى اليوم التالى استشهد الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة، أثناء تواجده على الخط الأول للهجوم مع القوات عند النقطة نمرة 6 فى الإسماعيلية، وتعتبر حرب الاستنزاف هى مفتاح النصر للعبور العظيم فى أكتوبر، حيث أتاحت للقوات المسلحة تحقيق المواجهة مع العدو، ودرس القادة أسلوب وأفكار العدو ونقاط القوة والضعف، وقدراته وإمكاناته فى مختلف الأسلحة الجوية والبرية والبحرية والمدرعات والمدفعية، إضافة إلى أنها كانت بمثابة مرحلة استعادة الثقة والروح المعنوية للمقاتل المصري، فضلاً عن ذلك كانت حرب الاستنزاف هى فترة بناء منظومة الدفاع الجوى. كما شهدت هذه الحرب عبور وحدات من القوات المصرية للضفة الشرقية لقناة السويس، وكانت معارك الجزيرة الخضراء ثم عملية الزعفرانة، ثم رادار خليج السويس ثم عملية جنوب البلاح ثم معركة شدوان.

فى 19 يونيو 1970 تقدمت الولايات المتحدة بمبادرة «روجرز» لوقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل، ثم سقطت المبادرة فى عام 1971 عندما أعلن الرئيس السادات أن مصر ترفض وقف إطلاق النار أكثر من هذا التاريخ بسبب عدم تنفيذ إسرائيل بند الدخول فى مفاوضات جديدة.

إسرائيل كانت متعنتة للغاية فيما يتعلق بأى محادثات، واتجهت لتكريس حالة اللاسلم واللا حرب، ولهذا كان قرار الرئيس السادات، بضرورة شن حرب شاملة لتحريك القضية وأعطى الأوامر بضرورة عبور قناة السويس وتدمير خط باريف والدخول بعمق 15 كيلو داخل سيناء، وبدأت القوات المسلحة فى إعداد خطط الهجوم اعتماداً على العقول المصرية قبل السلاح، لأنه لم تكن هناك مقارنة بين مستوى وحجم التسليح بين الجيشين، ولكن تم وضع حلول لكافة العقبات التى تواجهنا على الجبهة اعتماداً على الكفاءة القتالية وإرادة المقاتل المصري، كما تم الاعتماد على تحقيق عنصر المفاجأة وهو أهم مبادئ الحرب.

فى يوليو 1972، أنهى الرئيس «السادات» مهمة الخبراء السوفيت فى مصر، وفى أكتوبر أحال وزير الحربية (الفريق صادق) ليحل محله الفريق «أحمد إسماعيل»، بالتزامن مع إعادة تنظيم القيادة العامة للقوات المسلحة، وإعادة تصحيح التوازن فى العلاقات المصرية- السوفيتية، وارتبطت هذه الإجراءات بتحولات مصيرية سنة 1973، على صعيد القوتين العظميين. وسرعان ما وجهت الولايات المتحدة الدعوة إلى مستشار الأمن القومى «حافظ إسماعيل» لمقابلة الرئيس «نيكسون» فى البيت الأبيض، ولإجراء محادثات مع نظيره الأمريكى «هنرى كيسنجر» فى فبراير بنيويورك، استبقها المستشار المصرى بزيارة موسكو فى يناير، لعقد محادثات مطولة مع الرئيس «بريجينيف»، بهدف تأمين العلاقات الثنائية فيما لو فشلت المفاوضات المرتقبة القادمة مع الولايات المتحدة، كما لتأكيد الالتزامات السوفيتية فيما يتصل بالمعلومات، وبالنسبة للأسطول السادس الأمريكى فى البحر المتوسط، إلى جانب الاتفاق من حيث المبدأ على صفقة سلاح بقيمة مليار روبل، على أن يبحث وزير الحربية المصرى مع نظيره الروسي- تفاصيلها- عند زيارته إلى موسكو فى مارس 1973، وحين حانت لحظة الصفر فى السادس من أكتوبر، تدفقت خمس فرق عسكرية مصرية عبر قناة السويس، للاستيلاء على خط بارليف المنيع، والاشتباك فى معارك تصادمية مع القوات الإسرائيلية على ضفتى القناة، استغرقت ثلاثة أسابيع قبل التوصل إلى إيقاف النيران فى 29 أكتوبر 1973.

بدأت الحرب فى الساعة الثانية من بعد ظهر يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٣ حيث كانت إسرائيل ما تزال تبدو أمام العالم قلعة عسكرية منيعة لا يمكن اقتحامها، ولكن هذه الأوهام الإسرائيلية لم تلبث أن تبددت منذ الساعات الأولى من القتال، نجحت القوات المصرية فى اقتحام قناة السويس واجتياح حصون خط بارليف، وعلى الجبهة السورية نجحت القوات السورية فى عبور الخندق الصناعى الذى أقامته إسرائيل، واندفعت كالسيل الجارف تشق طريقها فى مرتفعات الجولان. وهكذا انهارت نظرية الأمن الإسرائيلى بكل أسسها ومقوماتها، وتقوضت سمعة الجيش الإسرائيلى الذى ذاعت شهرته فى الآفاق بأنه الجيش الذى لا يقهر، وأصيب الشعب الإسرائيلى بصدمة عنيفة وصفها بعض المحللين العسكريين بالعبارة الشهيرة «زلزال فى إسرائيل» .

تم اختيار يوم الهجوم يوم سبت وهو يوم إجازة عند اليهود والحركة عندهم محرمة ويتزامن مع عيد الغفران، فضلا عن أن هذا الشهر كان وقت انتخابات الكنيست ومعظم أعضاء الكنيست من القادة الإسرائيليين فكانوا مشغولين بالانتخابات وكان يوم 10 رمضان أى أن ضوء القمر سيستمر حتى منتصف الليل، ما سيساعد سلاح المهندسين على عمل الكباري، وتم استكمال كافة الخطط بأيدٍ وعقول الجيش المصرى.

قبل الحرب بـ24 ساعة، اجتمع قادة الأجهزة الأمنية فى إسرائيل، وأكدوا أنه «لا توجد أى مؤشرات لعمليات عسكرية يقوم بها العرب ضد تل أبيب فى يوم الغفران 73»، وفقاً لتسريبات محاضر الاجتماع الذى يدور الحديث عنه، إذ قال قائد أركان حرب يوم الغفران فى حينه ديفيد أليعازر، المعروف بلقب «دودو» ما نصه كالتالي: «ليست لنا مصلحة محددة فى اندلاع حرب، ولا أرغب فى أن تدور رحاها بشكل مفاجئ.. لذا لن نتعرض لمفاجأة الحرب». بهذه الكلمات الموجزة، اختتم رئيس الأركان الإسرائيلى الاجتماع الأمني. من هذه الجلسة التى أزاح عنها أرشيف الجيش الإسرائيلى الستار، تبيَّن بشكل واضح موقف رئيس الأركان باستحالة اندلاع الحرب، رغم أن عدداً من المجتمعين لم يستبعد قيام المصريين والسوريين بالهجوم على إسرائيل فى يوم الغفران.

وفقاً لمحاضر الاجتماع الأمني، كان رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية فى حينه إيلى زعيرا أول المتحدثين، وفصَّل تقديراته لتطور الأوضاع السياسية والعسكرية فى مصر وسوريا، وأشار إلى أن طائرات حربية سورية تقدمت باتجاه الجبهة الإسرائيلية، وأجرت مناورات لاحتلال هضبة الجولان، وأن المصريين عززوا من تواجد قواتهم على الضفة الغربية لقناة السويس، وأجروا مناورات مختلفة. وتحدث زعيرا أيضاً عن إخلاء خبراء الاتحاد السوفييتى من مصر وسوريا، فضلاً عن إخلاء قطع بحرية سوفيتية من ميناء الإسكندرية. رغم كل ذلك، إلا أنه جزم بأن مؤشرات اندلاع الحرب على الجبهتين المصرية والسورية ضعيفة جداً، وقال نصاً: «الوضع فى مصر وسوريا متشنج للغاية، وكل ما يجرى على الجبهتين يأتى فى إطار خوف المصريين والسوريين من شن هجوم إسرائيلى على الجبهتين، لذا فأنا أجزم بأن تعرض إسرائيل لهجوم من الجبهتين مستحيل».

ورداً على ذلك، قال رئيس الأركان الإسرائيلى ديفيد أليعازر: «من هذا المنطلق أتفق تماماً مع تقديرات المخابرات العسكرية، وأرى أن مؤشر اندلاع الحرب ضعيف للغاية ويكاد يكون منعدماً». ومن هذا المنطلق أشار إلى أن هناك أمرين ينبغى وضعهما فى الحسبان، أولهما: أنه إذا آثر المصريون والسوريون الهجوم فإنهم يستطيعون القيام بذلك فى إطار أقل فترة ممكنة. ثانياً: لا يتوافر لدينا أى دليل واضح على أنهم لا يعتزمون الهجوم.. وتعنى تلك المعطيات أن إسرائيل كانت غارقة فى «بحور التخدير»، وأن القيادة السياسية المصرية نجحت فى تمرير رسائل الخداع، التى مهدت للإجهاز على العدو فى الوقت المناسب. وعجزت آلة الإعلام العبرية عن مواصلة حملتها الرامية إلى خداع المستوطنين، وتوقفت عن صياغة التقارير التى تخفى بها حقيقة الهزيمة النكراء، وانكفأ قادة الجيش الإسرائيلى على التحقيق فى الفشل، أو ما عُرف إسرائيلياً بـ»القصور»، وتشكلت لجنة تحقيق القاضى «أجرانات»، المعنية بالتحقيق مع قادة المستويين السياسى والعسكري، للوقوف على أسباب الهزيمة.

عبقرية التخطيط العسكرى كانت تكمن فى الاختيار المناسب للوقت بهدف التأثير على الحالة العامة للتعبئة لأن إسرائيل لا تتحمل معركة طويلة بسبب أن الشعب كله عسكري، وتم تنفيذ الضربات الجوية الساعة 2 ظهراً، وهو وقت لم تكن تتوقعه إسرائيل، وبالفعل حققت الضربة أهدافها، كما ألحق سلاح المدفعية خسائر لا تحصى، وقام سلاح المهندسين بعمل الكبارى فى 8 ساعات فقط، فى حين أنها كانت تستغرق وقت التدريب 12 ساعة، وتمت الاستفادة من ظلام الجزء الأخير من الليل لضمان عدم رؤية العدو للمعدات والدبابات أثناء عبورها القناة.

فى هذا اليوم، تحطمت أسطورة الجيش الذى لا يقهر، وكان هذا اليوم حافلاً بالبطولات التاريخية للمقاتلين المصريين، فالبعض كان يلقى بنفسه على الألغام لكى يفتح معبرا لباقى الجنود، وهنالك من كان يمسك بفوهة الرشاش ويتمزق جسده لحماية زملائه، ومن أقوال السادات عن هذا اليوم: «إن القوات المسلحة قامت بمعجزة» فلم تكن هناك مقارنة فى الكم والكيف والسلاح بين قوات العدو والجيش المصرى فهم الأقوى بحسابات المعدات ونحن الأقوى بالإرادة والرجال.

ذكرت جريدة «التليجراف» البريطانية، إن «نظرية الحدود التى بنتها إسرائيل منذ سنين بغرض التوسع انهارت تماما، و تحطمت الأسطورة الإسرائيلية». وجريدة «واشنطن بوست» الأمريكية، وصفت الجنود المصريين بالشجعان، مؤكدة أنهم أدوا بكفاءة عالية وتنظيم وشجاعة كبيرة خلال الحرب، مضيفة أن الجنود حققوا نصرا تحطمت معه أوهام الإسرائيليين بأن العرب لا يصلحون للحرب. كما أبرزت جريدة «نيويورك تايمز» الأمريكية، هذا النصر، قائلة إن «حرب أكتوبر غيرت الخريطة السياسية لإسرائيل و مصر على حد السواء»، مضيفة أن هذه الحرب سيكون لها تداعيات كبيرة على مجرى الصراع العربى الإسرائيلى فى الشرق الأوسط، كما وجهت الضوء على الفشل المخابراتى الإسرائيلي.

أما جريدة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، فقالت إن «المصريين يقاتلون ببسالة ليس لها مثيل وفى نفس الوقت ينتاب الإسرائيليين إحساس عام بالاكتئاب بسبب خسارتهم للحرب وتشير الدلائل إلى أن الإسرائيليين كانوا يتقهقرون على طول الخط أمام القوات المصرية المتقدمة». أما جريدة «ديلى ميل» البريطانية، فقالت إن «القوات المصرية قد أمسكت بالقيادة الإسرائيلية وهى عارية، لقد كان الرأى العام الإسرائيلى قائما على الاعتقاد بأن أجهزة مخابراته هى الأكفأ، وأن جيشه هو الأقوى والآن يريد الرأى العام فى إسرائيل أن يعرف ما الذى حدث بالضبط».

جريدة «لومانتيه» الفرنسية، تناولت هذا الحدث العظيم، قائلة إن «الكفاح الذى يخوضه العرب ضد إسرائيل كفاح عادل، إن العرب يقاتلون دفاعا عن حقوقهم، وإذا حارب المرء دفاعا عن أرضه ضد معتد فإنه يخوض حربا تحريرية، أما الحرب من أجل الاستمرار فى احتلال أرض الغير فإنها عدوان سافر». وسلطت وكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية، أيضاً الضوء على يوم النصر، قائلة إن «الشعور السائد فى إسرائيل اليوم يتميز بالحزن والاكتئاب، كما أن عدد أسرى الحرب العائدين من مصر، كان أكثر مما كان متوقعا، الأمر الذى يعنى وقوع الكثير من القتلى». وجريدة «الأوبزرفر» البريطانية، أشادت بالجنود المصريين، قائلة «لقد واجه الإسرائيليون خصما يتفوق عليهم فى كل شيء ومستعد لحرب استنزاف طويلة، كذلك واجهت إسرائيل فى نفس الوقت خصما أفضل تدريبا وأمهر قيادة».

وطبعا كان للصحف الإسرائيلية نصيب كبير من العناوين التى تحدثت عن حرب أكتوبر، فتحت عنوان «أصوات إنذار غارات الطائرات المصرية تقطع صمت يوم الغفران» أبرزت جريدة «جيروزاليم بوست» العبرية، يوم السادس من أكتوبر، صبيحة ما يسمى «عيد الغفران» فى إسرائيل.

فى هذا اليوم كان من المفترض أن تحتجب الصحف الإسرائيلية عن الصدور والإذاعات تبتعد عن تناول الشئون السياسية والعسكرية، إلا أن هجمات الجيش المصرى كسرت صمت الجريدة التى افتتحت خبرها آنذاك بأن «صفارات الإنذار قد دوت فى أنحاء إسرائيل كلها لتقطع الصمت والسكون الذى يغلف يوم الغفران»، كما قطعت الإذاعة الإسرائيلية برامجها التقليدية عن هذا اليوم، لتعلن أن القوات المصرية بدأت هجوماً كبيراً على القوات الإسرائيلية فى قناة السويس. كما تحدثت الجريدة عن حالة الهروب الجماعية للمستوطنين نحو الملاجئ. أما جريدة «هآرتس»، فقالت إن «البحرية المصرية تفوقت على البحرية الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر وخصوصا فى مجال الصواريخ».

بلغ الدعم الأمريكى منتهاه خلال مجريات حرب أكتوبر 73، فوجئت الولايات المتحدة كما فوجئت إسرائيل باندلاع الحرب يوم السادس من أكتوبر، لكن الغرور والثقة المفرطة من جانب واشنطن بجيش الدفاع الإسرائيلي، مع الاستهانة الكاملة بمصر وقواتها المسلحة جعلت واشنطن تنظر للحرب فى بداية أيامها بالقليل من الاهتمام، لكن بعد أن لاحت بوادر الهزيمة الإسرائيلية بنجاح مصر فى عبور قناة السويس والتمركز على الضفة الشرقية بقوة لا يستهان بها.

ومن ثم طلبت إسرائيل من واشنطن تقديم الدعم السياسى والعسكرى فى مواجهة النجاحات المصرية فى الحرب؛ وعمل وزير الخارجية الأمريكى فى هذا الوقت هنرى كيسنجر على إقناع الإدارة الأمريكية بأن تقف مع إسرائيل بكل ما يمكن أن تقدمه لها، وعلى الفور فتحت مخازن الجيش الأمريكى وبدأ شحن الأسلحة والمعدات إلى إسرائيل بطائرات أمريكية من طراز سى 5، وسى 130.

وبعد تقديم المساعدات الأمريكية تمكنت إسرائيل بشكل نسبى من تقليل حجم الخسائر التى تعرضت لها خلال الأيام الأولى من الحرب التى شنتها القوات المسلحة المصرية وسلاح الجو؛ حيث قدمت واشنطن لإسرائيل طائرات أمريكية من طراز فانتوم جاءت بطيارين أمريكان من القاعدة الأمريكية فى ألمانيا .وبهذا استعادت القوات الجوية الإسرائيلية عافيتها وكفاءتها مرة أخرى فى الوقت الذى كانت القوات الجوية المصرية تخسر طائرات وطيارين بدون استعواض، بجانب ذلك زودت الولايات المتحدة تل أبيب بطائرات استطلاعية مكنت إسرائيل من كشف خطوط الجيش المصرى لتجنب العمليات العسكرية ضدها.

على الجانب الآخر حاول الاتحاد السوفيتى السابق وهو الند الطبيعى للولايات المتحدة أن يقدم الدعم لمصر فى ظل التوترات بين الجانبين على خلفية طرد السادات الخبراء الروس؛ حيث جاء الجسر الجوى السوفيتى لمصر كرد فعل على إعلان الولايات المتحدة جسرها الجوى إلى إسرائيل، وعلى الرغم من الدعم السوفيتى لمصر إلا أنه جاء هائلًا فى حجمه هزيلًا فى محتواه، فلم تصل مصر طوال فترة الحرب طائرة قتال واحدة استعواضًا للخسائر اليومية من الطائرات المصرية، إنما كان الإمداد كله يتركز فى مهمات ومعدات غير حيوية بل ووصل الأمر إلى أن يشمل أجهزة ومعدات طبية.

كان لحرب أكتوبر تداعيات سياسية، فلولا الحرب ما استطاع السادات أن يبدأ مسيرة التسوية السلمية، كانت الحرب بمثابة تحريك للمياه الراكدة، وفتحت المجال لعقد صلح بين مصر وإسرائيل، فلا شك فى أن تطورات الحرب هى التى اقتضت كلا من الطرفين بان السلام العادل هو السبيل الوحيد لإتاحة الفرصة للتنمية والتقدم والاستقرار فى المنطقة، وكان السادات قد أعلن أن حرب أكتوبر هى آخر الحروب .


التعليقات