ياسر بركات يكتب عن : العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية.. نقطة ومن أول السطر

بعد قرارات أبومازن

أصدر الرئيس الفلسطينى محمود عباس، الجمعة، أوامر لأجهزته الأمنية بـ«تقليص مستوى التنسيق الأمنى» مع جيش الاحتلال الإسرائيلى فى الضفة الغربية، إلى «الحد الأدنى المطلوب»، فيما طالبته فصائل المعارضة بإجراءات أكثر حدة، ومنها الانسحاب من اتفاقيات «أوسلو«. وفى المقابل، رد اليمين الإسرائيلى مهدداً بأنه «يجب أن يدفع الفلسطينيون ثمن موقفهم هذا. واقترح المتطرفون الإسرائيليون هدم قرية الخان الأحمر قبيل الانتخابات».

إعلان عباس جاء فى إطار قراره وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، عقب عدة تطورات كان أهمها إقدام إسرائيل على هدم منازل فلسطينيين فى مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية قريبة من مدينة القدس، إضافة إلى الأجواء المشحونة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، خصوصاً بعد وقف تل أبيب تحويل أموال ضريبية لصالح السلطة الفلسطينية، ما وضعها فى أزمة مالية خانقة، عوضاً عن الإجراءات الأمريكية المتخذة ضد السلطة الفلسطينية، ومنها إغلاق مقر منظمة التحرير الفلسطينية فى واشنطن، وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، ووقف الدعم المقدم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين.

الرئيس الفلسطينى، كان قد أعلن، الخميس، وقف العمل بالاتفاقيات الموقّعة مع الجانب الإسرائيلى. وقال عقب اجتماع طارئ عقدته القيادة الفلسطينية فى مقرّ الرئاسة برام الله فى الضفة الغربية المحتلة، إنّه «أمام إصرار سلطة الاحتلال على التنكّر لجميع الاتفاقيات الموقّعة وما يترتّب عليها من التزامات، نعلن قرار القيادة وقف العمل بالاتفاقيات الموقّعة مع الجانب الإسرائيلى والبدء فى وضع آليات اعتباراً من الغد لتنفيذ ذلك». وكان عبّاس قد التقى، الأربعاء، فى عمّان العاهل الأردنى، الملك عبدالله الثانى، فى اجتماع قالت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) إنّه تناول «آليات التنسيق بين البلدين» إزاء آخر التطورات. والخميس، نقلت «وفا» عن عباس قوله بخصوص اجتماع القيادة الفلسطينية الذى دعا إليه إنّ «أهمّ ملف على طاولة الاجتماع هو هدم منازل المواطنين فى منطقة (أ)»، مضيفاً: «لا نغفر الهدم فى مناطق (أ) أو (ج)، لكن هذه أول مرة يتم الهدم بهذه المنطقة، وهو ما نعتبره منتهى الوقاحة والعدوان على الحقوق الفلسطينية». وأضاف: «لا بدّ أن نتّخذ خلال الاجتماع موقفاً واضحاً وصريحاً ومحدّداً من كلّ هذه الإجراءات».

عقب اجتماع القيادات الفلسطينية مساء الخميس، فى مقر الرئاسة (المقاطعة) فى مدينة رام الله، قال الرئيس الفسطينى: «لن نرضخ للإملاءات وفرض الأمر الواقع على الأرض بالقوة الغاشمة، وتحديداً فى القدس، وكل ما تقوم به دولة الاحتلال غير شرعى وباطل». وتابع: «أيدينا كانت وما زالت ممدودة للسلام العادل والشامل والدائم؛ لكن هذا لا يعنى أننا نقبل بالوضع القائم أو الاستسلام لإجراءات الاحتلال، ولن نستسلم ولن نتعايش مع الاحتلال، كما لن نتساوق مع (صفقة القرن)، ففلسطين والقدس ليست للبيع والمقايضة، وليست صفقة عقارية فى شركة عقارات». وشدد الرئيس عباس على أنه «لا سلام ولا أمن ولا استقرار فى منطقتنا والعالم، من دون أن ينعم شعبنا بحقوقه كاملة، ومهما طال الزمان أو قصر سيندحر الاحتلال البغيض وستستقل دولتنا العتيدة». وبعد أن أعرب عن شكره لكل دول العالم الصديقة والشقيقة التى تقف إلى جانب الشعب الفلسطينى وقضيته العادلة فى المحافل الدولية، طالب عباس بخطوات عملية، وتنفيذ القرارات الأممية على الأرض، ولو لمرة واحدة.

القرار له معنى كبير وقد يسهم فى تحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية على الأقل، وظهرت مؤشرات إلى ذلك، بترحيب حركة «حماس» بالقرار الذى اعتبرته «خطوة فى الاتجاه الصحيح، تتوازى مع متطلبات المرحلة الصعبة التى تمر بها القضية الفلسطينية، وتصحيح لمسارات خاطئة لطالما حرفت المسار السياسى الفلسطينى».

وأضافت الحركة أن «ما يتطلع إليه شعبنا هو إجراءات عملية حقيقية عاجلة، تترجم هذه القرارات إلى أفعال، وفى إطار برنامج عملى يبدأ بإعلان فورى عن تشكيل حكومة وحدة وطنية، ووقف التنسيق الأمنى مع الاحتلال». وحثت حركة «حماس» على «دعوة الإطار القيادى الفلسطينى المؤقت لتدارس سبل تنسيق العمل المشترك، وتبنى استراتيجية ترتكز إلى خيار المقاومة لمواجهة (صفقة القرن) وما يتعرض له الشعب الفلسطينى من ويلات، وحمايته من الإجرام الإسرائيلى المتواصل». وأصدرت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بياناً رحبت فيه هى أيضاً بالقرارات، وطالبت بالانسحاب الفلسطينى من اتفاقيات أوسلو.

نائب رئيس حركة «فتح» اللواء محمود العالول، أعلن أن الجانب الفلسطينى «سيوقف العمل بالاتفاقيات جميع وحتى توقف إسرائيل جرائمها، ليس فى المجال الأمنى فقط؛ بل فى كل شىء». وأوضح العالول أن اللجنة المقررة ستضع آليات تنفيذ القرار المتخذ ابتداء من اليوم، بما يشمل جميع الاتفاقيات. واعتبر العالول أن هذا القرار بمثابة «صرخة فلسطينية أمام الانتهاكات التى يمارسها الاحتلال الإسرائيلى، من عمليات الهدم والدمار والقتل، وبأننا لا يمكن قبول استمرار الوضع القائم على ما هو عليه».

العالول أشار إلى أن «الاتفاقات الموقعة بيننا وبين الإسرائيليين تم خرقها بفظاظة من الجانب الإسرائيلى». ورحبت حركة «المبادرة الوطنية الفلسطينية» بقيادة النائب مصطفى البرغوثى، بقرار وقف العمل بالاتفاقيات مع إسرائيل، بما فى ذلك وقف التنسيق الأمنى بكل أشكاله. ودعت إلى تنفيذ هذا القرار فوراً، بعد أن خرقت إسرائيل كل الاتفاقيات وبدأت بعملية ضم فعلى للصفة الغربية. وقال أمين سر حركة «فتح» وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية فى لبنان، فتحى أبوالعردات، إن قرار الرئيس عباس والقيادة بوقف العمل بجميع الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال، موقف تاريخى ومهم، ويضع الجميع أمام مسئولياته فى التصدى للسياسات العنصرية التى تنتهجها حكومة الاحتلال ضد أبناء شعبنا ومقدساته الإسلامية والمسيحية؛ خصوصاً فى مدينة القدس المحتلة. وأضاف أبوالعردات فى حديث لـ«وفا» أن موقف الرئيس يأتى فى ظل هجمة أمريكية إسرائيلية شرسة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء مشروعنا الوطنى الفلسطينى، مشيراً إلى تطابق الموقفين الأمريكى والإسرائيلى تجاه فلسطين، والتبنى الأمريكى لجميع القرارات والانتهاكات والجرائم الإسرائيلية التى ترقى إلى مستوى جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

من جانبها، ردت إسرائيل على الموقف الفلسطينى باستخفاف. وقال وزير الاقتصاد والصناعة الإسرائيلى إيلى كوهين، وهو عضو فى المجلس الوزارى الأمنى المصغر، إن عباس، لم يكن ملتزماً أصلاً بالاتفاقيات مع إسرائيل التى أعلن وقف العمل بها. وهدد: «الشعب الفلسطينى هو من سيدفع الثمن». وقال كوهين: «ما الذى سيفعله أبومازن (عباس) الآن؟ هل سيعود إلى التحريض فى المدارس ضد إسرائيل؟ أم سيدفع رواتب لعائلات منفذى العمليات؟ عفواً، فهو دائماً يقوم بذلك. إنه لم ينفذ ما ورد فى الاتفاقيات مع إسرائيل؛ بل كان محرضاً على تنفيذ عمليات الإرهاب ضدنا». وفى اليمين المتطرف أكثر، طالبت حركة «ريجافيم» الاستيطانية بالإطاحة بما أسمته «دولة الإرهاب الفلسطينية التى تقام خلف المنعطف». وزعمت هذه الحركة، التى تضم فى صفوف قياداتها وزير المواصلات، بتصلئيل سموتريتش، أن «الفلسطينيين بنوا 28651 مبنى جديداً فى المنطقة (C) التى تقع تحت السيطرة الإسرائيلية، بموجب اتفاقيات أوسلو، وذلك رغم أنف الحكومة الإسرائيلية. ولذلك يجب التخلص من هذه السلطة والبدء بالعمل فوراً من أجل منع دولة إرهاب فى ساحتنا». ودعت إلى البدء بهذا عملياً بواسطة هدم قرية الخان الأحمر، الواقعة جنوبى القدس، فوراً.

الأوضاع صارت أكثر تعقيدا بعد التفكك فى الانتخابات الماضية، وخسارة 3 مقاعد فى الانتخابات الأخيرة، عادت الأحزاب العربية الوطنية فى إسرائيل (فلسطينيى 48)، إلى التفاوض حول إعادة تشكيل «القائمة المشتركة» لخوض الانتخابات المقبلة، التى تجرى فى 17 سبتمبر 2019. وأعلن النائب أيمن عودة، رئيس أول تشكيلة لـ«القائمة المشتركة»، أن «الحركة العربية للتغيير» انضمت إلى الحزبين الآخرين، وهما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» و«الحركة الإسلامية»، وبقى «حزب التجمع الوطنى» الذى نأمل أن ينضم خلال الساعات المقبلة.

وقال عودة، فى تغريدة على صفحته فى «فيسبوك»، «أريد أن أحيى (الحركة العربية للتغيير)، والإخوة أحمد طيبى وأسامة السعدى وسندس صالح على قبول قرار لجنة الوفاق والانضمام للقائمة المشتركة إلى جانب (الجبهة) و(الحركة) الإسلامية. أنا واثق أن الإخوة فى التجمع سيفضلون الوحدة الوطنية والمصلحة الجماعية والالتزام بالتعهد والتوقيع للجنة الوفاق». وأضاف: «شعبنا غضب جداً خلال الأسبوعين الماضيين، بسبب التمزق، وبحق! ومن غير الإنصاف تجاه هذا الشعب الأصيل ألا نحرز الوحدة الشاملة. وقد عملنا جاهدين بإخلاص كى لا نستثنى أحداً. لهذا دعونا نتّحد جميعاً ونعلنها على الملأ وحدة غلاّبة. نرمم ما تصدّع، ونبنى الثقة مع أهلنا بكل مكان. فشعبنا أصيل ومعطاء ويُقدر هذا الجهد المخلص، وسيعطى ثقة كبيرة تقوّى وجودنا جميعاً، وبالأساس وجود وكيان هذا الشعب».

يأتى هذا الحراك لوحدة العرب، بموازاة نجاح جهود عناصر فى المعارضة الإسرائيلية لتوحيد قوى اليسار، إذ توصل قادة حزبى «إسرائيل ديمقراطية»، برئاسة إيهود باراك، و«ميرتس» بقيادة نيتسان هوروفتش، لإقامة تحالف يسارى جديد سمى «المعسكر الديمقراطى». وتمكنا من ضم ستاف شبير، عضو الكنيست من «حزب العمل»، وهناك احتمال لضم النائب الشاب، إيتسيك شمولى، أيضاً. وبموجب الاتفاق سيترأس التحالف هوروفتس، وسيكون باراك فى المقعد العاشر، الذى يعتبر غير واقعى، لكن باراك اختاره بنفسه حتى يثبت أن وجوده فى هذا التحالف سيحقق له 10 مقاعد على الأقل. والهدف من ذلك هو صد الذين يهاجمونه على عودته إلى الحلبة، وهو فى الـ77 من العمر.

عدة قوى بدأت تسعى لتوحيد صفوف جميع قوى اليسار معاً، أى ضم «حزب العمل» كله برئاسة عمير بيرتس. وأشاد زعيم حزب المعارضة، بينى جانتس، بهذه الخطوة، قائلاً: «أبارك كل خطوة توحد المعسكر، وتمنع إضاعة الأصوات». ومع أن استطلاعات الرأى التى نشرت الجمعة تشير إلى أن باراك وميرتس يحصلان معاً على 9 - 11 مقعداً، إلا أن توازن القوى بين اليمين واليسار فى إسرائيل لم يتغير عما كان عليه فى الانتخابات الأخيرة، التى جرت فى 9 أبريل الماضى. ففى حين يوجد اليوم 65 نائباً ينتمون إلى اليمين واليمين المتطرف، مقابل 55 نائباً للوسط واليسار والعرب، فإن نتائج الاستطلاعات الأربعة الأخيرة تشير إلى أن اليمين سيحصل فى الانتخابات المقبلة على 66 مقعداً مقابل 54 مقعداً لليسار والوسط والعرب. لكن «حزب اليهود الروس» (إسرائيل بيتنا) بقيادة أفيجدور ليبرمان، الذى يعتبر من صلب اليمين، قرر التمرد على بنيامين نتنياهو، واقترح حكومة وحدة تضم «الليكود» و«حزب الجنرالات» بقيادة بينى جانتس. وبسبب هذا الموقف، تشير الاستطلاعات إلى أن ليبرمان يضاعف قوته من 5 إلى 9 - 10 مقاعد، ويتحول إلى لسان الميزان والقوة الحاسمة لصالح من تكون رئاسة الحكومة.


التعليقات