ياسر بركات يكتب عن : بين جحيم أمريكا.. وغضب حلف الناتو.. خطايا الأحمق التركى

فترة صعبة للغاية، ستواجه تركيا خلال الفترة المقبلة، بعد دخولها أو إدخالها فى مواجهة أوروبية وأمريكية، مع تزايد احتمالات خروجها من حلف شمال الأطلسى «الناتو»، كنتيجة طبيعية لحماقات الرئيس التركى. وأبرز ما تواجهه تركيا حالياً، هو العقوبات الأمريكية جراء إصرار أردوغان على شراء منظومة الصواريخ الروسية «إس 400» رغم تحذيرات واشنطن من عواقب ذلك، إضافة إلى قلق «الناتو» البالغ إزاء الصفقة، مع تزايد المؤشرات على إمكانية اتخاذ الحلف موقفاً حازماً وإلغاء عضوية أنقرة فيه.

حماقات رجب طيب أردوغان لم تتوقف عند هذا الحد، بل بلغ مداه فى قراره بإرسال سفينتين إلى قبالة سواحل قبرص، الدولة العضو فى الاتحاد الأوروبى، من أجل التنقيب عن النفط والغاز، وهو الإجراء الذى أدى بالطبع لزيادة التوتر فى منطقة شرق المتوسط والغضب العارم من قبل الاتحاد الأوروبى الذى هدد باتخاذ إجراءات عقابية اقتصادية ضد تركيا.

الحماقات الأردوغانية طالت أيضاًً الاقتصاد التركى الذى يعيش أسوأ أزماته، فى ظل استمرار انهيار العملة، وتراجع النمو الاقتصادى، وتواصل ارتفاع التضخم المالى إلى مستويات غير مسبوقة، خصوصاً بعد إصرار أردوغان على الإطاحة برئيس البنك المركزى، وهو ما أدى إلى تزايد مخاوف المستثمرين وهروبهم من تركيا، وهو ما يزيد من عمق الأزمة التى تعيشها أنقرة. الخسائر تتوالى على رأس أردوغان بسبب العناد والتعنت فى القرارات التى يتبناها ضارباً عرض الحائط بكل ما فيه مصلحة بلاده من أجل الظهور كندٍّ وبطل عالمى.

استمرار عضوية تركيا فى «الناتو» أصبح بمنزلة خنجر فى ظهر الحلف وتجددت دعوات طردها. وذكرت جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية، فى مقال كتبه «تيد جالين كاربنتر»، أن مثل هذه الدعوات ظهرت من قبل، ومعظمها استجابة للإجراءات القمعية المتصاعدة فى البلاد فى عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، لكن هذه المرة كان الغضب أعمق وأكثر انتشاراً. وأضاف الكاتب فى مقاله أن الشكاوى من بشاعة الأفعال الإجرامية التى تحدث داخل تركيا تثير العديد من الدول الغربية، موضحاً أن القلق تسرب أيضاًً وبقوة إلى داخل حلف شمال الأطلسى الذى يشعر أن لديه شريكاً غير موثوق به بشكل خطير فى السياسة الأمنية. وأكد أن قرار واشنطن بطرد تركيا من المشاركة فى برنامج المقاتلات F-35 يعكس بالتأكيد عدم الارتياح الأمريكى للإجراءات التى تتخذها أنقرة بصورة عامة.

أيضاً، حذرت صحف ألمانية، يوم الجمعة، من أن ما وصفته بـ«تخبط» الرئيس التركى، رجب طيب أردوغان، سيؤدى فى النهاية إلى خروج بلاده من حلف شمال الأطلسى «الناتو». وأشارت الصحف إلى أن «أردوغان غامر باقتناء منظومة الدفاع الصاروخية الروسية (إس-400)، وخسر صفقة سلاح كبيرة مع الولايات المتحدة، لكن تداعيات مغامرته ستتخطى ذلك، وستكشف مدى الضياع الذى يعانيه». وقالت جريدة «دى فيلت» الألمانية، فى تقرير، إن «صفقة مقاتلات (إف 35) الأمريكية كانت واحدة من أكبر الصفقات فى تاريخ تركيا التى كانت ستقتنى على أثرها 100 مقاتلة من هذا النوع، وبالفعل كان طياروها يتلقون تدريبات على قيادتها». وتابعت: «لكن الولايات المتحدة قررت وقف الصفقة وبرنامج تدريب الطيارين الأتراك، ما لا يعنى فقط خسارة أنقرة مقاتلة متطورة فقط، ولكن تداعيات هذا الأمر ستكون كبيرة جداً على الأخيرة». وأوضحت أن «الولايات المتحدة تخشى استغلال روسيا نشر منظومة (إس-400) والرادارات المتطورة الخاصة بها فى تركيا، لأن بإمكانها أن تخترق بيانات مقاتلات (إف 35) ومنظومة دفاع حلف شمال الأطلسى الناتو الذى تشغل أنقرة عضويته».

الجريدة أشارت إلى أن «صفقة (إس-400) وعرض موسكو تعويض أنقرة مؤخراً بصفقة مقاتلات سوخوى 35 الروسية، سيفاقمان الشرخ بين البلدين». وأوضحت أن «الأزمة ستتفاقم بين البلدين، ولن تقف فقط عند عقوبات اقتصادية أو عسكرية، بل يمكن أن تصل إلى حد خروج أنقرة من (الناتو) وتعرضها لعزلة سياسية».

من جانبها، قالت مجلة «دير شبيجل» إن «أردوغان حاول المتاجرة بصفقة (إس-400) سياسياً، وإيصال رسالة خادعة للأتراك بأن بلادهم مستقلة سياسياً عن واشنطن والاتحاد الأوروبى». وأضافت: «لكن الصفقة أبرزت مدى الضياع والتخبط الذى يعانيه الرئيس التركى، والذى دفعه للتخلى عن مقاتلات متطورة مثل (إف 35)، وعقوبات اقتصادية كفيلة بإرسال اقتصاد بلاده للهاوية، وعزلة سياسية وعلاقات سيئة مع الغرب، من أجل هذه الصواريخ». وأوضحت الجريدة أن «الأمر لا يستحق كل هذه التضحية أو المغامرة».

سلوك تركيا الاستبدادى مؤخراً يثير أسئلة أساسية حول معايير الناتو وأولوياته فى القرن الحادى والعشرين، فخلال الحرب الباردة، كانت أهداف الحلف واضحة، وكان ردع العدوان السوفييتى المحتمل هو المهمة الأساسية، بجانب تحقيق وحدة أكبر بين ديمقراطيات أوروبا الغربية، ومنع إعادة تأميم الدفاعات وتوطيد الالتزام الأمنى للولايات المتحدة تجاه أوروبا. وشدد على أن القمع الداخلى المتصاعد داخل تركيا من جراء سياسات نظام أردوغان يثير الإحراج للحلف ويحيد تماماً عن الأهداف التى وضعها الناتو لسياسات أعضائه، مشيراً إلى قيام الرئيس التركى بتعزيز سلطاته بشكل كبير، وقوض النظام القضائى الذى كان مستقلاً فى البلاد، ورتب لأصدقائه السياسيين شراء وسائل الإعلام الأكثر نفوذاً، وسجن المئات من الصحفيين المستقلين والمعارضين السياسيين، واستخدم الانقلاب العسكرى الفاشل فى يوليو 2016 ذريعة لتطهير الجيش والمحاكم والنظام التعليمى للأفراد الذين اعتبرهم أعداء.

وعلى الرغم من استمرار إجراء الانتخابات - بما فى ذلك الانتخابات الحاسمة الشهر الماضى التى اختار فيها الناخبون معارضاً لأردوغان كعمدة لبلدية إسطنبول - فأنه من الصعب على نحو متزايد اعتبار تركيا ديمقراطية حقيقية، والأكثر إثارة للقلق هو أن أعضاء آخرين فى حلف الناتو يظهرون علامات مماثلة على الاستبداد، وإنْ لم يكن الأمر بهذا القدر من التقدم.

بوادر الأزمة كانت بادية لمَن يستطيع قراءة الأحداث فى ضوء مسار السياسة التركية طوال السنوات الثمانى الأخيرة، وصولاً إلى بداية الانحدار الواضح للحزب فى انتخابات 7 يونيو 2015. فى هذه الانتخابات فقد الحزب الغالبية التى تمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً للمرة الأولى، ليلجأ إلى انتخابات مبكرة، بعدما عجز رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو عن تشكيل حكومة ائتلافية، ورفض أردوغان تكليف زعيم حزب الشعب الجمهورى، أكبر أحزاب المعارضة، بتشكيل الحكومة الائتلافية وتفضيل خيار الانتخابات المبكرة. بالمناسبة، بات داود أوغلو أيضاًً أحد الرفاق السابقين المرشحين لتأسيس حزب سياسى جديد.

ثم جاء المؤشر الأكثر وضوحاً على ما يعتمل داخل الحزب، عندما انحاز بعض قادته لخيار الديمقراطية، رافضين حكم الفرد، ورافضين التحوّل إلى النظام الرئاسى، الذى يجمع عملياً جميع السلطات فى يد رئيس الجمهورية. ومرة أخرى، كان الاستفتاء على تعديل الدستور للتحوّل إلى النظام الرئاسى، الذى أجرى فى 16 أبريل 2017 كاشفاً عن تراكم الشعور بسخط رفاق أردوغان على مسلكه السياسى ونزوعه إلى الفردية. وبعد شهر واحد، ظهر ذلك مع استقالة أحمد داود أوغلو من منصبى رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية، بعد خلافات حادة مع أردوغان، حاول الطرفان عبثاً ألا تخرج إلى العلن. لكن أجواء الخلاف تسرّبت، واتضحت تماماً من طريقة الاستقالة، وما تعرض له داود أوغلو من حملة شعواء من جانب الجيش الإلكترونى لحزب العدالة والتنمية، للنيل من سمعته والتشكيك فى نزاهته.

مثل هذه التطورات تعنى أنه يتعين على الزعماء الغربيين تحديد ما إذا كان الناتو منظمة أمنية بحتة أو ما إذا كان يجب على الأعضاء الالتزام بالمعايير الأساسية لحقوق الإنسان والحكم الديمقراطى، خاصة بعد أن فشلت تركيا فشلاً ذريعاً فى الامتثال لهذه المعايير، وبالتالى لا يمكن لقادة حلف الناتو التهرب من مسألة هوية الحلف لفترة أطول. وبالنظر إلى السلوك الخارجى لأنقرة، لا يمكن لأعضاء الناتو الآخرين أيضاًً تجنب مسألة ما إذا كانت تركيا شريكاً أمنياً موثوقاً بدرجة معقولة، لأن شراء نظام صواريخ إس 400 انتهاك خطير لسياسة التحالف، كما أنه من غير المحتمل أن هذه الأسلحة يمكن دمجها فى الدفاعات الجوية الشاملة لحلف الناتو.

صفقة الصواريخ الروسية ببساطة، هى أحدث مثال لتقارب أردوغان المتزايد مع حكومة فلاديمير بوتين، ومن المشكوك فيه بشكل متزايد، على سبيل المثال، أن تستمر أنقرة فى دعم مجموعة العقوبات الاقتصادية التى فرضتها القوى الغربية على موسكو. وقد يتصور البعض أن واشنطن مترددة فى دعم طرد تركيا من الناتو أو قطع العلاقات الأمنية مع أنقرة، خاصة أنه طالما اعتبر القادة الأمريكيون تركيا حجر الزاوية فى الجهة الجنوبية الشرقية لحلف الناتو ولاعباً حيوياً فى المنطقة، خاصة مع استمرار وصول الولايات المتحدة إلى قاعدة إنجرليك الجوية التى تعتبر عنصراً أساسياً فى قدرات واشنطن فى المنطقة، إلا أن الوصول إلى «أنجرليك» ليس سبباً كافياً للولايات المتحدة لدعم الاحتفاظ بعضو استبدادى فيما يزعم أنه تحالف ديمقراطى.

بالتأكيد لم تعد تركيا حليفاً موثوقاً به أو مرغوباً فيه، طبقا للقيم السياسية والاعتبارات الأمنية، وما من شك فى أن العد التنازلى بدأ لانفصال الولايات المتحدة وحلف الناتو عن أنقرة. غير أن البديل الأقل تكلفة هو تخلص أنقرة من هذا المجنون الذى يريد أن يخربها ليجلس على تل الخراب.


التعليقات