ياسر بركات يكتب عن : عواصف جديدة تنتظر رئيس الوزراء القادم أسرار.. استقالة السفير البريطانى فى أمريكا

أعلنت الشرطة البريطانية، الجمعة، فتح تحقيق جنائى فى تسريب مراسلات دبلوماسية سرية أدت إلى استقالة سفيرها لدى الولايات المتحدة الأمريكية كيم داروك، وفق إعلام محلى. وذكرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، أن شرطة العاصمة لندن قالت إن «الجهة التى تقود التحقيق هم محققون من فرقة مكافحة الإرهاب، منوط بهم مسئولية التحقيق فى المخالفات الجنائية لقانون الأسرار الرسمية». ونقلت الجريدة عن مساعد قائد الشرطة، نيل باسو، قوله إن «هناك مصلحة عامة واضحة» فى مقاضاة كل من كان مسئولاً عن التسريب الذى تسبب «بإلحاق الضرر بالعلاقات الدولية للمملكة المتحدة».

فى سابقة لم تحدث منذ أكثر من قرن ونصف القرن، أعلن السفير البريطانى فى الولايات المتحدة كيم داروك، استقالته، يوم الأربعاء، بعد أن وصفه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأنه «أحمق ومغرور». انتقادات وإهانات الرئيس لسفير أكبر وأهم حليف لواشنطن، جعلت مهمة الأخير شبه مستحيلة. وأعلن ترامب فى تغريدة، قبل يومين أنه «لن يتعامل مع السفير البريطانى». ولم يكتفِ ترامب بتوجيه انتقاداته المباشرة إلى داروك، لكنه أيضاً لم يتوانَ فى انتقاد رئيسة الوزراء البريطانية المنتهية ولايتها تيريزا ماى، بعد أن أعلنت الأخيرة عن دعمها للسفير فى خضمّ الأزمة الدبلوماسية التى اندلعت بين المملكة المتحدة وأمريكا بسبب بعض التسريبات الصحفية.

جيريمى هنت وزير الخارجية البريطانى، رد على انتقادات الرئيس ترامب، إذ كتب على «تويتر» موجِّهاً حديثه إلى ترامب: «الأصدقاء يتحدثون معاً بصراحة وهو ما سأفعله: هذه التصريحات لا تنمّ عن احترام، وهى خطأ (فى حق) رئيسة وزرائنا وبلدنا... دبلوماسيون أمريكيون يدلون بآرائهم الخاصة لوزير الخارجية (الأمريكى مايك بومبيو)، وهو ما يفعله الدبلوماسيون البريطانيون».

«لم يسبق أن دخلت لندن فى خلاف دبلوماسى مع واشنطن بسبب تحفظات أمريكية على شخص سفيرها». هذا ما ذكره أكبر مسئول فى وزارة الخارجية البريطانية السير سيمون ماكدونالد، أمام المشرعين البريطانيين. وقال ماكدونالد أمام لجنة الشئون الخارجية فى مجلس العموم البريطانى، يوم الأربعاء: «آخر مرة أعرف فيها أننا واجهنا صعوبة مع الولايات المتحدة كانت عام 1856»، مشيراً إلى أنه فى ذلك الوقت، كان السفير البريطانى «متهماً بتجنيد الأمريكيين للقتال على الجانب البريطانى فى حرب القرم»، وكان الرئيس الأمريكى فى ذلك الوقت هو فرانكلين بيرس. وأعرب ماكدونالد عن أسفه لما تطورت إليه الأمور بين السفير البريطانى فى واشنطن والرئيس ترامب. وقال: «إنها المرة الأولى التى أعرف فيها أن حكومة أجنبية رفضت التعامل مع أحد مبعوثينا».

بدأت الأزمة بعد أن قامت صحيفة «ديلى ميل» البريطانية، بتسريب بعض المراسلات السرية التى تمت بين السفير داروك ووزارة الخارجية البريطانية فى لندن، والتى وصف فيها السفير الإدارة الأمريكية بأنها «خرقاء وغير كفؤة». واستغرق الأمر بعض الوقت من ترامب حتى يستوعب ما ذكره السفير، وبدا للوهلة الأولى أن الأمر سينتهى بسرعة، خصوصاً عندما اكتفى ترامب بالقول بأن السفير «لا يخدم دولته» بشكل جيد، وهو رد فعل دبلوماسى، كان يمكن أن يمنع تطور الأزمة. إلا أن الرئيس لم يحتمل أن يرى شخصاً ينتقده دون أن يطلق نيرانه المضادة نحوه وبقوة. على مدار اليومين الماضيين، بدأ ترامب فى شن هجومه المضاد ضد السفير ووصفه بأنه «غريب الأطوار وأحمق».

ترامب كتب فى تغريدته: «السفير الغاضب الذى فرضته المملكة المتحدة على الولايات المتحدة ليس شخصاً نشعر بسعادة غامرة تجاهه. يجب أن يتحدث حول بلاده، ورئيسة الوزراء ماى، حول مفاوضاتهما الفاشلة بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى... أخبرت ماى كيفية القيام بهذه الصفقة، لكنها ذهبت بطريقتها الغبية - لم تتمكن من إنجازها. كارثة! لا أعرف السفير لكن قيل لى إنه أحمق. أخبروه أن الولايات المتحدة لديها الآن أفضل اقتصاد وجيش فى أى مكان فى العالم». وتم إلغاء دعوة السفير إلى مأدبة عشاء، ليلة الاثنين، استضافها وزير الخزانة الأمريكى ستيفن منوشين، كما تم إلغاء اجتماعات أخرى مع كبار المستشارين بالبيت الأبيض، بما فى ذلك ابنة الرئيس إيفانكا ترامب.

متحدث باسم تيريزا ماى قال إنها والرئيس ترامب لا يعتزمان حالياً بحث العلاقات بين الجانبين. وقال وزير الصحة البريطانى مات هانكوك، يوم الأربعاء، إن بريطانيا بحاجة إلى إصلاح العلاقات من جديد مع الولايات المتحدة بعد خلاف دبلوماسى مع واشنطن، لكنه لم يدعم بالكامل السفير البريطانى الذى يتعلق الخلاف به. وقال هانكوك لراديو هيئة الإذاعة البريطانية (بى بى سى): «علينا إصلاح هذه العلاقات مع البيت الأبيض من جديد التى تعد أكبر من شخص واحد لأنها مسألة كون هذه العلاقات بحال جيد على كل مستوى». ويدعم هانكوك علناً رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون، ليصبح رئيس الوزراء المقبل.

فى السياق، تحدى زعيم حزب العمال، حزب المعارضة الرئيسى فى بريطانيا، يوم الثلاثاء رئيس الوزراء المحافظ المقبل بتنظيم استفتاء جديد حول «بريكست» مؤكداً أنه سيسعى من جهته للبقاء فى الاتحاد الأوروبى. وقال جيريمى كوربن فى رسالة إلى أعضاء حزب العمال: «أياً يكن رئيس الوزراء الجديد يجب أن تكون لديه الشجاعة لطرح الاتفاق أو عدمه (حول بريكست) فى استفتاء شعبى». وأضاف: «فى هذه الظروف يمكننى أن أؤكد بوضوح أن حزب العمال سيطلق حملة للبقاء فى الاتحاد الأوروبى فى مواجهة خروج بلا اتفاق أو اتفاق محافظ لا يحمى الاقتصاد والوظائف».

كوربن كشف أن حزبه حاول اقتراح تسوية تقوم على إبقاء البلاد فى وحدة جمركية وثيقة توازى سياسة جمركية وتجارية مشتركة، و«علاقة متينة داخل السوق الواحدة»، لكن رئيسة الوزراء تيريزا ماى رفضتها. ولطالما أكدت الأخيرة أنها تريد الخروج من الوحدة الجمركية والسوق الواحدة للسماح لبلادها بإبرام اتفاقات تجارية مع دول أخرى والحد من الهجرة الأوروبية إلى بريطانيا. بينما قال كوربن فى رسالته أيضاًً، إن «أى نتيجة حول بريكست لن تسمح بإنقاذ الوظائف وحقوق البريطانيين ومستوى معيشتهم». وكرّر الدعوة إلى تنظيم انتخابات مبكرة لانهاء «تسع سنوات من التقشف» أدت إلى «زيادة الفقر وعدم المساواة» فى البلاد.

بعد رفض النواب ثلاث مرات الاتفاق الذى أبرمته مع بروكسل فى نوفمبر 2018، حاولت ماى التعاون مع العماليين منتصف أبريل. إنما بعد شهر، علق العماليون المحادثات. وفى ظلّ المأزق حول «بريكست» أُرغمت على الاستقالة بعد ثلاثة أسابيع. وهناك مرشحان لخلافتها على رأس حزب المحافظين والحكومة هما وزيرا الخارجية السابق بوريس جونسون والحالى جيريمى هنت. وسيختار أحدهما أعضاء حزب المحافظين البالغ عددهم 160 ألفاً، وستعرف نتيجة التصويت فى 23 يوليو الجارى.


التعليقات