ياسر بركات يكتب عن : ثورة العبيد والأسياد فى تل أبيب

140 ألفاً يحطمون أسطورة «أرض الميعاد «

الوحشية تظهر للعالم بعد ترويج أكذوبة السلام والديمقراطية

العنصرية ضد الأثيوبيين ومنعهم من دخول المدارس جزء من منظومة كراهية تسود إسرائيل

يهود الفلاشا .. المصير البائس ليهود البشرة السمراء

ـ اعترفت بهم السلطات الإسرائيلية فى التسعينات .. وتركتهم ضحايا العنصرية فى تل أبيب !

ـ تم نقل 80 ألفاً منهم إلى إسرائيل بمساعدة الموساد فى عملية سرية

ـ يمثلون 2% من سكان إسرائيل ويعيشون فى معزل عن المجتمع

ـ 88 % من حالات زواجهم تتم داخل الجالية الأثيوبية وينحدر معظمهم من مجتمعات منعزلة

عكست المظاهرات الصاخبة ليهود الفلاشا -التى شلت المدن والطرقات الرئيسية فى إسرائيل- احتجاجا على مقتل شاب من أصول إثيوبية برصاص ضابط فى الشرطة الإسرائيلية هشاشة المنظومة المجتمعية وتغلغل العنصرية والتمييز بالعلاقات بين مختلف الطوائف اليهودية.

لم تقتصر العنصرية والتمييز على سياسة الضغط على الزناد من قبل الشرطة التى قتلت فى العامين الأخيرين 3 شبان من أصول إثيوبية، بل كانت هناك العديد من حالات المدارس التى لم تقبل الطلاب من أصول إثيوبية بسبب لون بشرتهم. ولسنوات، تم إلقاء وحدات الدم التى تبرع بها أفراد من يهود الفلاشا فى القمامة بزعم الخوف من الأمراض المعدية والوراثية.

العنصرية متفشية فى المجتمع الإسرائيلى كالنار فى الهشيم، سواء بين المهاجرين الإثيوبيين أو غيرهم من الشرائح الاجتماعية، لكن يؤكدون أن الحالة الإثيوبية استثنائية، خاصة بسبب عامل اللون الذى يمنع الاندماج الكامل فى المجتمع الإسرائيلي. ويعتقدون أن التمييز ضد المهاجرين الإثيوبيين هو نتيجة مباشرة لاختلافاتهم الخارجية ولونهم، وأن مقتل الشاب الإثيوبى سلومون طاقى (18 عاما) هو أحد أعراض المرض الخبيث وهو «العنصرية والتمييز» الذى يهدد بتدمير المجتمع والدولة، مؤكدين أنه لا يمكن إخفاء الوضع الصعب والمعقد للمجتمع الإثيوبى الذى يعيش حالة من العزلة والغربة عن المجتمع اليهودى ودولة إسرائيل.

فى هذه الفجوة الشاسعة التى أعقبت عملية قتل الشاب الإثيوبى وما تبعها من احتجاجات، يجمع محللون على أنه فى حال عدم تدارك الأمور فإن ذلك يمكن أن يؤدى لتصدع بالنسيج المجتمعي، الأمر الذى من شأنه أن يدخل الإحباط والغضب والقلق والتراجع والذنب والشعور بالذنب لدى جميع أبناء الطوائف اليهودية، وعلى رأسهم الفلاشا. وفى ظل الاحتجاجات والمظاهرات ليهود الفلاشا بالبلاد وفى محاولة من الحكومة الإسرائيلية لامتصاص الغضب، حطت بمطار بن جوريون فى تل أبيب عصر الأربعاء طائرة على متنها 602 إثيوبى من أصل 1000 كان من المفروض أن يتم استقدامهم من العاصمة أديس أبابا، بحسب تعهدات حكومة بنيامين نتنياهو التى أعدت خطة لاستقدام آخر 8 آلاف يهودى من إثيوبيا.

كما استعانت المؤسسة الإسرائيلية بشخصيات وحاخامات من أصول إثيوبية لكتابة مقالات تحمل فى طياتها أبعاداً دينية وتوراتية مفادها تحقيق ما وصفته بـ»الحلم» بالقدوم إلى الوطن القومى للشعب اليهودي، داعية إلى الحفاظ على وطن اليهود والنسيج المجتمعى للشعب الإسرائيلي.

تحت عنوان «أيها الإخوة، احترسوا من اليأس، لا تحولوا الدولة إلى عدونا» كتب الحاخام من أصول إثيوبية شارون شالوم مقالا فى الموقع الإلكترونى لجريدة يديعوت أحرونوت دافع من خلاله عن مؤسسات الدولة الإسرائيلية، وعن اتهام الشرطة بالعنصرية واعتمادها نهج التمييز. واستعرض الحاخام الإثيوبى أنماط السجال السائدة فى المجتمع الإسرائيلي، مبينا أن هناك حالة من اليأس نتيجة الشعور بعدم وجود عدالة أو عدم البحث بعمق فى الكثير من الحالات التى راح ضحيتها شبان من أصول إثيوبية برصاص أفراد من الشرطة.

يطلق على اليهود من أصل إثيوبى فى إسرائيل تسمية «الفلاشا»، وتشمل المهاجرين من إثيوبيا وأبناءهم الذين نقلت السلطات الإسرائيلية الجزء الأكبر منهم فى إطار العملية السرية «سولومون» فى تسعينيات القرن الماضي، وشاركت فيها الموساد. وهناك تقرير نشره مكتب الإحصاء المركزى فى إسرائيل عام 2017 كشف الحقائق التالية المتعلقة بالحالة الاجتماعية والاقتصادية ليهود الفلاشا:

- يبلغ عدد الإسرائيليين من أصل إثيوبى حوالى 140 ألف شخص، أى قرابة 2% من إجمالى التعداد السكانى لإسرائيل، ولد أكثر من 85 ألفاً منهم فى إثيوبيا.

- تشير معطيات المركز إلى الانغلاق والانعزال النسبى لمجموعة اليهود الإثيوبيين، ورصد أن 88% من حالات الزواج تعقد ضمن الجالية الإثيوبية.

- يحصل 55.4% فقط من طلاب المدرسة المنحدرين من إثيوبيا على الشهادة الثانوية، ينال 39% منهم الشروط اللازمة للالتحاق بالجامعات.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن الفلاشا القادمين خلال الموجة الأولى من هجرتهم وحتى موجات تالية لا يتقنون اللغة العبرية ولم يتمكنوا من التأقلم مع المجتمع رغم برامج الاندماج التى أطلقتها الحكومة.

يعتبر أبناء الجالية أن الإسرائيليين لا يزالون ينظرون إلى المهاجرين الإثيوبيين نظرة فوقية لدواع شتى، أحدها لون البشرة. ويتهم الإثيوبيون الإسرائيليين «البيض» بممارسة «التمييز العنصرى النظامى الممنهج» بحقهم وحرمانهم من حقوقهم الشرعية رغم أن إسرائيل تقدم نفسها أنها تسترشد بقيم الديمقراطية والتعددية والمساواة. ويرى الإثيوبيون أن الشرطة تتعامل معهم بالعنف التعسفى وتستخدم القوة المفرطة ضدهم.

إضافة إلى ذلك، يؤكد الإثيوبيون أنهم يعانون من التفرقة العنصرية فى التعاملات اليومية، مشيرين إلى أن العنصرية والتمييز يعيقان تطور مجتمعهم ككل، ويبقيانهم عند مستوى اجتماعى اقتصادى منخفض. ويقول الفلاشا إنهم يتعرضون للاضطهاد على غرار الأمريكيين من أصول إفريقية، رغم أن أسلافهم لم يكونوا أبدا عبيدا لدى ذوى البشرة البيضاء، بل قدموا إلى إسرائيل طبقا لـ»قانون العودة» مثلما وصل اليهود من أى بلدان أخرى.

وصل عدد اليهود الإثيوبيين خلال سنة 2018 إلى 140 ألفاً، يمثلون 2% من مجموع اليهود فى إسرائيل، ومن ضمن يهود الفلاشا أكثر من خمسين ألفاً من مواليد إسرائيل. وينحدر معظمهم من مجتمعات ظلت معزولة عن العالم اليهودى طوال قرون، وقد اعترفت بهم السلطات الدينية الإسرائيلية فى وقت متأخر. وكان نحو 80 ألف يهودى إثيوبى هاجروا إلى إسرائيل عبر جسرين جويين تم تنظيمهما عامى 1984 و1991. وانطلقت خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التظاهرات ضد العنصرية والتمييز الذى يواجهه يهود الفلاشا، والمطالبة بانضمام أفراد من عائلات بقيت فى إثيوبيا إليهم، بهدف دمج الإثيوبيين فى المجتمع الإسرائيلي.

ويرى قادة أحزاب إسرائيلية، بأن ما يتعرض له الفلاشا يؤكد تفشى العنصرية فى إسرائيل التى سعت إلى استقدامهم وأهملت استيعابهم، وإنهم يتفهمون احتجاجهم فى تل أبيب والقدس مراراً، واتهموا الشرطة باستخدام القوة المفرطة ضدهم، وفى مقابل ذلك يرى زعماء اليهود الفلاشا أن تظاهراتهم الدورية ضرورية بهدف تغيير أحوالهم المعيشية، فإسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة فى كثير من الأحيان. ويمكن الجزم بأن عنصرية إسرائيل تلاحق الفلاشا فى ميادين العمل والتأمين الصحى والتعليم، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، حيث طرحت فى إسرائيل قبل أكثر من عقدين قضية رفض تبرع اليهود الفلاشا بالدم، الأمر الذى يؤكد عنصرية إسرائيل المتفاقمة ضد اليهود الشرقيين، وخاصة يهود الفلاشا الذين تعتبرهم دراسات كثيرة من غير اليهود أصلاً.

ويتركز يهود الفلاشا فى إسرائيل فى أحياء فقيرة ومهملة ومدن من الصفيح على أطراف المدن القائمة، كما هى الحال فى مدينتى الخضيرة والعفولة، حيث تتزايد نسبة المعتقلين منهم بتهم جنائية لتصل إلى 40%، خصوصاً بين الشباب الذين يعانون الفقر والبطالة والأمية. واللافت أن يهود الفلاشا يجدون صعوبة فى الاندماج فى المجتمع الإسرائيلى لأن المجتمع والأحزاب الإسرائيلية تلفظهم فى الأساس. ونتيجة التميز العنصرى الإسرائيلى تجاه اليهود الفلاشا، تنخفض مؤشرات التنمية البشرية بينهم، مقارنة باليهود الأشكناز.

ويهود الفلاشا كما تشير الدراسات هى الكنية العبرية ليهود بيتا إسرائيل (يهود الحبشة)، ومعظمهم حالياً من أصول إثيوبية، وهى السلالة التى تركت التعاليم الدينية أو تحولت إلى النصرانية فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، سواء كان ذلك التنصر طوعاً أم إكراهاً. وهذه الجماعة هاجرت إلى إسرائيل بموجب قانون الهجرة، وحظيت هجرتها باعتراف من قضاة الهالاخاه، إلا أن هناك من بينهم معارضين، ومعظمهم علمانيون. وفى أكتوبر 2012، أطلقت عملية «أجنحة الحمامة» لإتمام هجرة هذه الجماعة، وانتهت هذه العملية فى 2013 بعد هجرة حوالى خمسة آلاف شخص.

يلاحظ المتابعون للشأن الإسرائيلى وجود تناقضات جوهرية داخل المجتمع الإسرائيلي، وصلت إلى حدود العنصرية، حيث يتم التعبير عن ذلك بنزول آلاف اليهود الأشكناز (الغربيون)، والذين يشكلون 40% من مجموع اليهود فى إسرائيل إلى الشوارع بين فترة وأخرى للتعبير عن رفضهم اختلاط بنات الطائفة اليهودية المذكورة بالطالبات من اليهود السفارديم، أى من اليهود الذين ينحدرون من أصول أفريقية وآسيوية ونسبتهم تصل إلى 36% من إجمالى سكان إسرائيل اليهود البالغ 6،5 مليون يهودى خلال بداية العام 2018.

ومن الأهمية الإشارة إلى بعض الحقائق الدالة على التمييز ضد اليهود السفارديم ومن بينهم الفلاشا، وسبب ذلك أن مراكز القوى فى إسرائيل، سواء فى المؤسسة العسكرية أو النظام السياسي، تمت السيطرة عليها وتسييرها من جانب اليهود الأشكناز، على اعتبار أنهم بناة الدولة اليهودية الأوائل. ويشكل العامل الاقتصادى والتعليمى دليلاً كبيراً على التمييز ضد اليهود الشرقيين ومن بينهم الفلاشا، حيث يمنع الطلاب اليهود من أصول شرقية من التحصيل التعليمى العالى مقارنة بالطلاب من أصول غربية، كما يعانى اليهود السفارديم من تمييز آخر، فمن الصعوبة بمكان أن يكون صاحب القرار فى المؤسسة التنفيذية، أى رئيس الوزراء، من أصول شرقية.

اللافت فى الاحتجاجات الأخيرة التى اندلعت فى إسرائيل عقب مقتل الشاب الإثيوبي، هو أن بعض المتظاهرين رددوا شعار «حياة السود مهمة» (Black lives matter) الذى رفعه المحتجون ضد العنصرية فى الولايات المتحدة. وقال أحد المتظاهرين: «نخشى من أن حياتنا لا تساوى شيئا، يخشى الشباب من التقاء الشرطة فى الشارع. نواجه العنصرية يوميا، لا يوظفون الإثيوبيين ولا يؤجرونهم المنازل ، ولا يُسمح لهم بدخول الحانات خلال عطلات نهاية الأسبوع».


التعليقات