ياسر بركات يكتب عن : الكونجرس ينتفض لقطع ذيل قطر

9 أعضاء يطالبون بطرد قناة الجزيرة من أمريكا

ـ البيت الأبيض يترقب الأزمة.. والأعضاء يتوجهون إلى وزارة العدل

ـ إخضاع المحطة المشبوهة لقانون «العملاء» داخل الولايات المتحدة الأمريكية شرط الإبقاء عليها

ـ الأعضاء فى رسالة إلى ترامب: لن نقبل بوجود نافذة للإرهاب فى بلادنا

ـ المحطة تروج لجماعة الإخوان الإرهابية بأكاذيب هدفها تضليل الرأى العام

أعضاء بارزون فى مجلسى النواب والشيوخ الأمريكيين، طالبوا إدارة الرئيس دونالد ترامب بإدراج قناة «الجزيرة» القطرية على قائمة الجهات المشمولة بقانون «تسجيل العملاء الأجانب» السارى فى البلاد منذ عقود، وذلك لكونها تضطلع بدور «بوق الدعاية» للنظام الحاكم فى الدوحة، وتشارك فى حملته لتبييض سجله الأسود الخاص بتمويل الإرهاب وإقامة علاقات مع أنظمة مارقة.

الأعضاء قالوا فى رسالة وجهوها لوزارة العدل الأمريكية إن هذه القناة الموصومة بالتضليل «تنخرط فى أنشطة سياسية وتسعى للتأثير على الرأى العام بالولايات المتحدة»، بهدف تحقيق مآرب «نظام الحمدين». وطالبوا بالحصول «على أى معلومات تخص الخطوات التى تم اتخاذها» لإجبار «الجزيرة» على تسجيل نفسها فى إطار هذا القانون المعمول به فى أمريكا منذ عام 1938، وكان يستهدف فى بادئ الأمر مواجهة أى نشاط شيوعى.

ويشمل قانون «تسجيل العملاء الأجانب» كل الأشخاص والجهات التى تمثل مصالح دول أجنبية فى أمريكا وتحصل من هذه الجهات على أموال أو تخضع لسيطرتها، ويلزم القانون تلك الجهات والأشخاص بالإفصاح عن تفاصيل العلاقة القائمة بينهم وبين حكومات هذه الدول، وذلك بهدف وضع قيود على قدرتهم على الانخراط فى أنشطة دعائية فى الولايات المتحدة.

الرسالة، التى حملت توقيعات تسعة من أبرز المُشرّعين الجمهوريين فى الكونجرس قالت إن «المسئولين القطريين سبق أن أقروا بأن وسائل الإعلام المملوكة للسلطات فى الدوحة، هى ضربٌ من ضروب القوة الناعمة»، قائلين إن ذلك يجعل بوسع المرء «استنتاج أن الجزيرة ما هى إلا أداة.. تعمل بالنيابة عن الحكومة القطرية» على الساحة الداخلية الأمريكية. وأضاف أعضاء الكونجرس الأمريكيون أن كل الأدلة المتوافرة تؤكد أن ما تبثه القناة القطرية سيئة السمعة ووسائل الإعلام الأخرى التابعة لها مثل خدمة «آيه جيه بلس»، لا يعدو سوى «القيام بالتعبير بشكل حرفي عن سياسات وتفضيلات الحكومة القطرية.. وهو ما يجعلها بمثابة واجهة بديلة لتلك الحكومة، تعمل من أجل ضمان نشر توجهاتها».

المشرّعون الأمريكيون شددوا على أن التقارير المصورة التى تبثها «الجزيرة» والموضوعات التى تنشرها على موقعها الإلكترونى «تثير مشكلات قانونيةً، على صعيد ما إذا كان يتعين تصنيف المحطة عميلاً أجنبياً» فى الولايات المتحدة أم لا. وأشاروا فى هذا الصدد إلى أن تأسيس تلك القناة عام 1996 تم من خلال الحكومة القطرية، التى تقدم لها الجانب الأكبر من تمويلها إن لم يكن التمويل الخاص بها بالكامل، مُستشهدين بأن النص الخاص بإخلاء المسئولية عن أى استخدام مُسيء والموجود ضمن المقاطع المصورة التى تبثها «الجزيرة» على موقع يوتيوب، يقر بذلك صراحة «وهو ما يعنى أن المحطة لا تشكل فقط رأس مال أجنبياً، وإنما هى مملوكةٌ أيضاً لصاحب رأس مال أجنبى، وهو الحكومة القطرية».

الرسالة أكدت أن وجود عدد كبير من أفراد الأسرة الحاكمة فى قطر فى موقع المسئولية عن إدارة وسيلة الإعلام هذه «يجعل من المرجح أن يكون بمقدور الحكومة (القطرية) أن تحدد وتتحكم فى المحتوى التحريرى للمضامين التى تبثها»، مُشيرة إلى أن «من بين الأدلة التى تؤكد ذلك حقيقة أن الجزيرة كثيراً ما تبث موضوعات تروج لأولويات سياسات الجهة المالكة لها» وهى النظام الحاكم فى الدويلة المعزولة. وضرب أعضاء الكونجرس الأمريكى مثالاً على ذلك بإصرار القناة القطرية على الزعم بأن جماعة «الإخوان» الإرهابية تتسم بالاعتدال بل والادعاء بأنها قد تلعب دوراً إقليمياً إيجابياً، وذلك نظراً للعلاقات الوثيقة التى تربط هذه الجماعة الدموية بـ«نظام الحمدين». بالإضافة إلى ذلك، تسمح قطر لأنصار التنظيمات المتطرفة المنبثقة من «الإخوان»، ليس فقط بالإقامة فى الدوحة على نفقة السلطات القائمة فيها، وإنما بالظهور كذلك بشكل منتظم على شاشة «الجزيرة».

من جهة أخرى، أبرزت رسالة المُشرّعين الأمريكيين الفيلم الوثائقى الذى أعدته القناة القطرية العام الماضى عن بعض المنظمات فى الولايات المتحدة، وجرى فى إطاره تسجيل مقاطع مصورة فى الخفاء لبعض العاملين فى هذه المنظمات، وهو الفيلم الذى دفع أوساطاً سياسيةً ونيابيةً فى واشنطن لمطالبة إدارة ترامب، بفتح تحقيق بشأن أنشطة «الجزيرة»، باعتبار أن ما قامت به يمثل ممارسةً للتجسس لا أقل من ذلك.

إجبار القناة القطرية المروجة للأكاذيب على تسجيل نفسها كعميل أجنبى بموجب القوانين الأمريكية، سيؤدى إلى الحد من قدرتها على الوصول إلى مسئولين أمريكيين ومنشآت فى داخل البلاد، ما سيفضى إلى تقييد أنشطتها هناك فى نهاية المطاف. وما يضاعف أهمية القرار أنه يأتى بعد أن أظهرت دول أوروبا قلقاً بشأن دعم كل من تركيا وقطر للجماعات المتطرفة، تحت غطاء بناء المساجد والجمعيات الخيرية، واتجهت بعض دول الاتحاد الأوروبى إلى إغلاق العديد من المساجد التى يديرها أتراك وأخرى ممولة من قبل قطر، ورفضت استقبال أئمة جدد من تركيا، بعد كشف حقيقة أن الأئمة الأتراك يمارسون أنشطة تجسسية لصالح المخابرات التركية، ويتلقون تمويلا من تركيا.

كثير من دول الاتحاد الأوروبى قالت إن قطر هى الراعية للجماعات المتطرفة عبر تمويل منظمات وجمعيات خيرية، بالإضافة إلى استضافة الدوحة للمطلوبين أمنياً، وتجنيسهم وإبرازهم إعلامياً. وقد استشهد تيم كولينز، وهو محقق وباحث ومحلل مخابرات خلال ندوة عقدت بمجلس اللوردات البريطانى فى يونيه 2018 عن دعم قطرى غير محدود لجماعة الإخوان، يتمثل فى ضخ أكثر من 125 مليون يورو فى جميع أنحاء أوروبا من قطر إلى مؤسسات تابعة لجماعة الإخوان. وذهب أكثر من 18 مليون يورو من جملة هذا المبلغ إلى أقسام بعينها فى جامعة أكسفورد. مشيرا إلى أن هناك تنظيمات كثيرة تابعة للإخوان وتحظى بدعم قطر ماليا، دون أى قيود، وهذا يعنى أنه على الحكومات الغربية أن تراجع أيضا علاقاتها بالدوحة، التى تقدم نفسها على أنها صديق للغرب.

فى أغسطس 2018 حذر مركز «جيتستون» الأمريكى للدراسات والأبحاث من أن النظام القطرى يتخذ من التبرع للمساجد فى فرنسا ستاراً لتمويل الإرهاب. وأكد المركز أن النشاط القطرى فى فرنسا يثير القلق على استقرار الديمقراطيات الأوروبية. وأنه على مدى السنوات الماضية كانت قطر الداعم الأول لجماعة الإخوان وتنظيم داعش وأعضاء القاعدة وحماس وطالبان وغيرهم. وأشار الكاتب «جيوليو ميوتى» إلى أن الأموال القادمة من قطر تمول إقامة العديد من المساجد الكبرى فى فرنسا. واستشهد المركز الأمريكى بموظف سابق يدعى مالك العثامنة بجمعية «قطر الخيرية» المدرجة ضمن قوائم الإرهاب فى عدة دول عربية، حيث قال إن المنظمة تضطلع بدور كبير فى دعم وتمويل الجماعات الإرهابية.

السلطات فى كوسوفو قامت يوم 9 سبتمبر 2018، بتعليق نشاط مؤسسة «قطر الخيرية»، فى خطوة تعد بمثابة دليل جديد على استغلال الدوحة لواجهة الأعمال الخيرية لتغطية أنشطتها غير الشرعية وتمويلها للإرهاب. ويرى مراقبون أن وقف كوسوفو لأنشطة جمعية قطر الخيرية يكشف للعالم الأدوار المشبوهة للجمعيات الخيرية القطرية فى دعم الإرهاب، خاصة أن القوائم المتتابعة التى أعلنتها السعودية والإمارات ومصر والبحرين كانت قد رصدت العشرات من الكيانات وعلاقتها المباشرة بدعم الإرهاب. ويتضح من هذا الإجراء الذى أقدمت عليه كوسوفو تخفّى دولة قطر وراء العمل الخيرى لتمويل أجنداتها المشبوهة. كما يكشف الإجراء عن المزاعم القطرية بأن مؤسستها الخيرية ملتزمة بالقوانين الخاصة بالدول التى تعمل بها. وأنها لا تهدف إلا إلى مساعدة المحتاجين، إلا أنها تحوم حولها الشكوك منذ تأسيسها بضلوعها فى تمويل الجماعات المتطرفة، خاصة فى سوريا. وأصبحت جمعية قطر الخيرية متورطة فى عمليات ابتزاز للنساء السوريات اللاتى فقدن ذويهن مقابل توزيع المعونات عليهن. وأن النساء فى مخيمات اللاجئين بسوريا أُجبرن على الاستسلام لتلك الابتزازات القطرية مقابل الحصول على معونة المؤسسات القطرية.

فى هذا السياق، يمكن القول إن التمويل الخارجى للاتحادات الإسلامية والمساجد فى أوروبا يأتى من تركيا وقطر ودول أخرى، ما يجعلها عرضة للاتهام بالترويج لقيم مثيرة للشك على المستوى السياسى، ودعم تكوين مجتمعات موازية. لذلك ينبغى ضرورة التنقيب عن مصادر تمويل أخرى لتفادى تأثير التمويل الخارجى للمساجد. وإعداد برنامج تعليمى لتأهيل الأئمة بدلا من استيرادهم من الخارج، واستمرار الجهود المخابراتية لملاحقة المساجد التى تدعو إلى التطرف، أو تنطلق منها جماعات متطرفة، تعود جذورها إلى الدعم القطرى التركى.

ويقتصر تمويل المساجد فى ألمانيا على أموال من الدولة فى حالات تمويل مشروعات معينة، مثل دعم اندماج اللاجئين المسلمين فى المجتمع أو إبعاد الشباب عن التيارات المتطرفة. ويتم تمويل الكثير من الاتحادات الإسلامية والمساجد فى ألمانيا من تركيا وقطر، ما يجعلها عرضة للاتهام بالترويج للتطرف ودعم تكوين مجتمعات موازية. وتسعى الحكومة الألمانية لتقليص الدعم الخارجى للمساجد والجمعيات الإسلامية. وذلك لتحرر المساجد من التبعية لتركيا وقطر ومنع توجيه الأطفال والمراهقين نحو التطرف وسط مطالبات مسئولين ألمان بتطبيق «ضريبة المساجد» كخطوة مهمة لتحريرها فى ألمانيا من التأثيرات الخارجية. وهو ما أثار جدلا واسعا.

وتستخدم المنظمات التى تقف وراءها قطر وتركيا، آليات ووسائل لخداع الجاليات المسلمة فى أوروبا ودفعهم إلى تقديم التبرعات لبرامجهم ومشاريعهم الدينية وتشييد المساجد التى يؤمها أئمة متطرفون ينشرون أفكار التطرف والعنف والكراهية. واتخذت من الجمعيات والمنظمات الخيرية غطاء لعملها السياسى. بل امتد الأمر إلى تغيير أسماء بعض المنظمات لمحاولة تحسين صورتها بعد اتهامها بدعم الإرهاب، لذا أكدت بعض دول أوروبا منها بريطانيا، دور الجميع فى المواجهة كالمدارس والحكومة والمجتمع المدنى والقيادات الدينية لمواجهة التطرف وتعزيز التعاون بين الحكومات والمساجد بهدف العمل على محاربة الإرهاب.


التعليقات