ياسر بركات يكتب عن :الانتخابات المحلية التركية.. نهاية حزب أردوغان

بعد أسبوعين من الانتخابات المحلية المتنازع عليها فى إسطنبول، تسلم مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو رسمياً شهادة فوزه فى الانتخابات، واحتفل مع أنصاره أمام مبنى البلدية رغم طلب حزب العدالة والتنمية الحاكم بإعادة الانتخابات. وفى بهو مجلس بلدية إسطنبول وعد إمام أوغلو بالحكم بشفافية وخدمة جميع المواطنين "وليس خدمة شخص واحد أو مجموعة واحدة أو حزب".

عمدة إسطنبول الجديد أعلن عن قيامه بمسيرة فى عطلة نهاية الأسبوع لتقديم برنامجه إلى أهالى المدينة. و دعت اللجنة الانتخابية السياسى بالمعارضة اليسارية القومية إلى توضيح سريع "من أجل السلام" للاعتراضات على نتائج الانتخابات، من قبل الحزب الحاكم. وصاح إمام أوغلو أمام عشرات الآلاف من المؤيدين أمام مبنى البلدية "لقد منحنى هذا الشعب شرف قيادة أجمل مدينة فى العالم". وشكر جميع "حماة الديمقراطية"، الذين باتوا فى ليلة الانتخابات أمام صناديق الاقتراع، ومن ذلك الحين فصاعدًا، لن يحدث أن «يستولى شخص ما على ثروة المدينة» على حد تعبيره، مضيفاً "لم نتخل قط عن المبادئ الأساسية للجمهورية ومبادئ أتاتورك".

كانت خسارة إسطنبول تحديدا مفاجأة لأردوغان، خصوصا بعد أن دفع رئيس وزرائه بن على يلدريم لتقديم استقالته ليكون مرشح حزب العدالة والتنمية لرئاسة بلديتها لأهميتها الاستثنائية، ورغم ما قامت به عشرات الجمعيات الإسلامية الخيرية المرتبطة بحزب العدالة والتنمية التى تنشط فى إسطنبول وتقدم مساعدات لعشرات آلاف العائلات وتستند عليها الماكينة الانتخابية لهذا الحزب، وتتهم المعارضة التركية هذه الجمعيات ذات الميزانية العالية بأنها تستخدم لرشوة الناخبين وشراء ولاءاتهم، ورغم توظيف الحزب الحاكم وسائل الإعلام الرسمية لصالحه، قال الكاتب إيلى ليك فى مقال بوكالة بلومبيرج: إن البيئة الإعلامية كانت منحازة بشدة لصالح تحالف أردوغان خلال هذه الانتخابات، بالإضافة إلى أن هذه الانتخابات قد حدثت بعد حملات قمع متواصلة استمرت قرابة السنوات الثلاث تمّ فيها اعتقال وتسريح مئات آلاف المعارضين أغلبهم من السلك التعليمى والقضائى والعسكرى والإعلامي، ومع كل ذلك لم يتمكن مرشح حزب العدالة والتنمية من تحقيق النصر فى إسطنبول.

كما كان لهذه النتائج مدلول خاص كونها أتت بعد الدستور الجديد الذى ركّز جميع السلطات بيد أردوغان، ما حمّله شخصيا مسئولية هذه الخسارة، فمع النظام الرئاسى الذى بناه، أصبح أردوغان رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية ورئيس البلديات والأسواق التجارية الذى يحدد الأسعار فيها، حتى معدّل الفائدة فى البنوك كان هو المسئول عنه، هذا بالإضافة إلى القيمة المعنوية التى يعلّقها أردوغان على هذه المدينة التى شهدت انطلاقته السياسية عندما فاز برئاسة بلديتها عام 1994 كمرشح لحزب الرفاه، ولأن تلك المدينة بعدد سكانها البالغ 15 مليون تعتبر تركيا المصغرة، ونتيجة للمقولة المعروفة، من يسيطر على إسطنبول يسيطر على تركيا.

ولم يستطع تقدم حزب العدالة والتنمية فى المناطق الكردية على حساب حزب الشعوب الديمقراطى الكردى أن يعوّض عن خسارته إسطنبول، رغم قيام اللجنة العليا للانتخابات بحرمان بعض مرشحى حزب الشعوب من مناصبهم التى فازوا فيها بتهم مختلفة ليحل مكانهم الفائزون بالمركز الثانى وهم مرشحو حزب العدالة والتنمية، كما لم تنجح محاولات التشكيك والاعتراض على هذه النتائج والزعم بأن الجريمة المنظمة عكّرت صفوها، لذلك طالب أردوغان قبل أيام بإعادة الانتخابات فى كامل إسطنبول لأن إعادة فرز الأصوات فى بعض مراكزها لم تؤد إلى تغيير نتائجها، قال إريك إيدلمان السفير الأمريكى السابق فى تركيا، إذا تم إلغاء هذه النتائج فستكون هذه نهاية الانتخابات فى تركيا، كما قال إيلى ليك: الولايات المتحدة يجب أن لا تسمح لأردوغان بسرقة انتخابات إسطنبول وأنقرة من المعارضة من خلال إعادة فرز الأصوات.

النتائج النهائية بعد أعمال التدقيق وإعادة الفرز وعد الأصوات بالانتخابات المحلية فى ولاية إسطنبول، أكدت حصول مرشح حزب الشعب الجمهورى المعارض، أكرم إمام أوغلو على 4 ملايين و169 ألفا و765 صوتاً مقابل حصول مرشح حزب العدالة والتنمية بن على يلدريم على 4 ملايين و156 ألفا و36 صوتا. وتشكل هذه الهزيمة ضربة قاسية على نحو خاص للرئيس التركى رجب طيب أردوغان، الذى بدأ مسيرته السياسية رئيسا لبلدية إسطنبول عام 1994 من صفوف حزب الرفاه الإسلامى الذى أسسه رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان، ثم سيطر حزبه (العدالة والتنمية) على البلدية منذ تأسيسه عام 2001.

قبل ساعات من إعلان نتائج إسطنبول، قدم حزب الحركة القومية (شريك حزب العدالة والتنمية الحاكم فى تحالف الشعب) طعنا مماثلا لما قدمه الحزب الحاكم للمطالبة بإعادة الانتخابات فى إسطنبول. وحث حزب العدالة والتنمية المسئولين باللجنة العليا للانتخابات على منع تفويض أكرم إمام أوغلو برئاسة البلدية إلى حين البت فى طلبه بإعادة الانتخابات، لكن اللجنة أعلنت النتيجة عقب انتهاء إعادة الفرز ، ويعنى هذا أن إمام أوغلو سيواصل عمله رئيسا للبلدية فى الوقت الذى تنظر فيه اللجنة فى طلب إعادة الانتخابات. وإن كان مراقبون يرون أنه من الصعب جدا أن تصدر بعد ذلك قرارا بالإعادة. فيما لم يستبعد محرم أركيك نائب رئيس حزب الشعب الجمهورى أن يستغل أردوغان صلاحياته الرئاسية فى إقالة إمام أوغلو.

هزيمة حزب العدالة والتنمية فى أنقرة، شكلت ضربة موجعة لأردوغان، لكن الضربة الأكبر كانت خسارته لاسطنبول التى تبلغ مساحتها ثلاثة أمثال العاصمة واستهل فيها أردوغان مسيرته السياسية وكان رئيسا لبلديتها فى التسعينيات.

تلك هى المرة الأولى التى يفقد فيها حزب أردوغان السيطرة على العاصمة أنقرة، منذ تأسيس الحزب سنة 2001. وكان أردوغان، الذى هيمن على المشهد السياسى التركى منذ وصوله إلى السلطة قبل 16 عاما وحكم البلاد بقبضة حديدية، قد نظم حملات انتخابية دون كلل على مدى شهرين قبل التصويت الذى وصفه بأنه "مسألة مصيرية" بالنسبة لتركيا. لكن لقاءاته الجماهيرية اليومية والتغطية الإعلامية الداعمة له فى معظمها لم تكسبه تأييد العاصمة أو تضمن له الفوز فى اسطنبول، فى وقت تتجه فيه البلاد نحو تراجع اقتصادى أثر بشدة على الناخبين.

تركيا، تشهد منذ عدة سنوات، ركودا اقتصاديا يصاحبه تراجع حاد فى سعر الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية، مثل الدولار واليورو، لم تشهده تركيا من قبل، خصوصا بعد الانقلاب العسكرى الفاشل والانتقال إلى النظام الرئاسى إلى جانب تراجع الديمقراطية ودولة القانون، إثر الإجراءات التعسفية بحق المعارضين لأردوغان وحزبه، بالإضافة إلى أن هاجس الخوف من السقوط مجددا فى أتون الفقر والعوز وفقدان فرص العمل يثير قلق المواطن التركى بشكل كبير. كما أن الثقة تكاد تكون منعدمة فى قدرة أردوغان وحزبه بتجاوز الحالة الاقتصادية الحالية الكارثية، إثر الصراع السياسى بين أردوغان والأوروبيين من جهة، وبينه وبين الولايات المتحدة من جهة أخرى.


التعليقات