ياسر بركات يكتب عن : c.n.n الفضيحة بالصوت والصورة

- قطر قامت بتجنيد أربعة عملاء وجواسيس فى المحطة الشهيرة
- مجلة أمريكية تكشف أكاذيب الشاشة
-على صوفان .. حكاية محلل سياسى يتقاضى ثمن الخيانة
ـ يدير أكاديمية قطر للدراسات الأمنية .. ويتواصل مع جماعات إرهابية
ـ مهدى حسن مذيع سابق بالجزيرة ويبث السموم القطرية من المحطة الأمريكية

ما زالت فضائح دويلة قطر تتساقط واحدة تلو الأخرى لتكشف للعالم كيف ينفق أمراء الدم المليارات على الشبكات الإعلامية الأجنبية لدعم الإرهاب على مستوى العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وكيف قامت تلك الدويلة بتجنيد محللي وخبراء الأمن القومي الأمريكي لخدمة مخططتها الإرهابية. وكانت على رأس القائمةCNN الإخبارية، التي نشرت مجلة "كونسيرفاتيف ريفيو" الأمريكية تقريرا يفيد بأن العديد من خبراء الأمن القومي في سي إن إن الذين تشاهدهم على شاشات التليفزيون كل ليلة لديهم روابط مباشرة مع دولة قطر، وأكد التقرير أن دور قطر في الشرق الأوسط هو تمويل الإرهاب، بينما يعمل الخبراء في شبكة "سى إن إن" على خدمة مخططات النظام القطري وأهدافه، ويقومون عبر برامج تلك الشبكة بتنفيذ رؤيته ومخططاته فقط.

التقرير الذي كتبه جوردان شاكتل خبير السياسة الخارجية والأمن القومي، استعرض قائمةً بأبرز الخبراء الموصومين بشبهات التواطؤ مع قطر والترويج لمزاعمها وتبرير سياساتها وصلاتها بالتنظيمات الإرهابية والأنظمة المارقة، وهي القائمة التي تضم أربعة محللين، بينهم اثنان يعملان لدى الدوحة بـ "دوامٍ كاملٍ" للترويج للدعايات المؤيدة لها، دون أن يكشفوا عن ذلك لملايين من مشاهدي الشبكة الإخبارية الأمريكية ذائعة الصيت.

أول الأسماء - التي وردت على القائمة التي نشرتها "كونسيرفتيف ريفيو" - هو علي صوفان، الذي قال تقرير المجلة، إنه يظهر بشكلٍ منتظمٍ على شاشة "سي إن إن"، رغم أنه "المدير التنفيذي لأكاديمية قطر الدولية للدراسات الأمنية، التي تتخذ من الدوحة مقراً لها، وتموّل من جانب النظام القطري". وأبدت المجلة الأمريكية استغرابها للتطابق شبه الكامل تقريباً بين جدول أسماء العاملين في هذه الأكاديمية التي يسيطر عليها "نظام الحمدين"، ونظيره الخاص بمؤسسة "صوفان جروب"، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، وتقول على موقعها الإلكتروني إنها "تقدم خدماتٍ أمنيةً مخابراتيةً استراتيجيةً للحكومات والمنظمات متعددة الجنسيات".

شاكتل أشار في تقريره إلى العلاقات السرية القائمة بين صوفان وأركان "نظام الحمدين"، قائلاً إن هذا الرجل - مثله مثل زملائه الآخرين المدعومين من قطر - يشن كثير من الهجماتٍ ضد الدول الرافضة للسياسات القطرية، كما حدث عندما عَمِلَ على استغلال ملف مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي لمهاجمة الرياض، فضلاً عن ترويجه لـ "نظريات المؤامرة المفضوح زيفها بشأن حدوث قرصنةٍ سعوديةٍ (مزعومةٍ) لمعلوماتٍ شخصيةٍ تخص الرئيس التنفيذي لشركة "أمازون" جيف بيزوس".

القائمة ضمت أيضا مهدي حسن، الذي قالت المجلة الأمريكية الرصينة إنه يعمل منذ فترةٍ طويلةٍ مذيعاً في قناة "الجزيرة" القطرية الموصومة بالتضليل والترويج للأكاذيب، والتي وصفتها "كونسيرفتيف ريفيو" بأنها "كيانٌ إعلاميٌ حكوميٌ نافذٌ تسيطر عليه الدوحة، وكانت الشبكة المُفضلة لزعيم تنظيم القاعدة (الإرهابي) أسامة بن لادن". وأوضحت المجلة الأمريكية في تقريرها أن مهدي "ضيفٌ منتظمٌ على شاشة "سي إن إن" رغم أن "رب عمله"- في إشارةٍ إلى قناة الجزيرة القطرية بطبيعة الحال - تعمل على "الدفع بسيلٍ منتظمٍ وثابتٍ من الدعاية المؤيدة للمتشددين". وقال التقرير إن الهدف الرئيسي لإنشاء هذه القناة - والمستمر حتى الآن - يتمثل في تعزيز "المصالح القطرية" باعتبارها مُموَلةً من نظامها الحاكم.

واستشهدت "كونسيرفتيف ريفيو" بما كتبه قبل أيام المحلل السياسي المرموق دافيد ريبوي الباحث في مركز "مجموعة الدراسات الأمنية" للأبحاث ذي التوجهات المحافظة في أمريكا، من أن "حسن الذي يعمل في "الجزيرة"، يكون عندما يتحدث (على الشاشة) لا أقل من متحدثٍ حكوميٍ مثل كيليان كونواي (مستشارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب) وسارة ساندرز" المتحدثة باسم البيت الأبيض. ونقل تقرير المجلة الأمريكية عن ريبوي إشارته إلى السمات المروعة التي يتصف بها النظام القطري الذي يعمل لحسابه مهدي حسن، عبر القول إن هذا الرجل "يمثل بالنسبة لملايين من المشاهدين الأمريكيين غير المتشككين (في انتماءاته) حكومةً تشجع منذ أمدٍ طويلٍ جماعة الإخوان (الإرهابية) وتموّل حركة حماس المُصنّفة على قوائم التنظيمات الإرهابية.. وساعدت ممولي تنظيم القاعدة وحركة طالبان، وهي كذلك حكومةٌ مناوئة بلا هوادة للمصالح الأمريكية".

أما الاسم الثالث على القائمة التي نشرها جوردان شاكتل في تقريره، فهو لـ "جولييت كاييم" التي يشير التقرير إلى أنها تجمع ما بين كونها محللةً في شؤون الأمن القومي لدى "سي إن إن" وعضويتها في مجلس إدارة مؤسسةٍ قطريةٍ مشبوهةٍ تحمل اسم "المركز الدولي للأمن الرياضي"، وهو المركز الذي يزعم أنه مؤسسةٌ مستقلةٌ على الرغم من كونه مجرد "واجهةٍ تسيطر عليها قطر، وليس سوى أداةٍ للتأثير من أجل تأمين حصول هذا البلد على حق استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، والدفاع عن الملف القطري في هذا الشأن كذلك"، أكثر من ذلك، تتحدث كاييم - كما يقول التقرير - بانتظامٍ نيابةً عن هذا المركز المثير للجدل "والذي يكتنفه الغموض"، بل وتشكل مسؤولةً عن التعامل بينه وبين وسائل الإعلام.

شاكتل شدد في تقريره على أن تلك السيدة لا تتحدث صراحةً عن "حقيقة كون "المركز الدولي للأمن الرياضي" هو مؤسسةٌ تسيطر عليها الدوحة، رغم أن اسمها ذُكِرَ في نشرةٍ تعود إلى عام 2015 باعتبارها واحدةً من ضمن مجموعة متحدثين باسم المركز، بمقدورهم الإجابة على أسئلةٍ" تتعلق بمؤتمرٍ رفيع المستوى عُقِدَ آنذاك، وكان للمركز صلةٌ به على ما يبدو. ومن بين العوامل التي تؤكد الطبيعة المريبة للمركز الذي تعمل كاييم لحسابه، كون رئيسه الذي يُدعى محمد حنزاب، شخصاً ذا خلفيةٍ مخابراتيةٍ وعسكريةٍ في قطر، بحسب تقرير "كونسيرفتيف ريفيو"، الذي يشير إلى أن حنزاب سبق أن عَمِلَ رئيساً لأكاديمية قطر الدولية للدراسات الأمنية التي يرأسها صوفان في الوقت الراهن.

التقرير أبرز كذلك الهجمات المشبوهة التي تشنها كاييم من على شاشة "سي إن إن" على الدول الرافضة للسياسات القطرية التخريبية، بجانب تحويلها حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، إلى ساحةٍ لإبراز أصوات المعادين للمملكة العربية السعودية، وأشار إلى أنها لا تتورع في الوقت نفسه عن مناقشة القضايا المتعلقة بشؤون السياسة الشرق أوسطية، دون الكشف عن أنها عضوٌ في مجلس إدارة مؤسسةٍ يديرها النظام القطري. وتمثل الاسم الرابع على قائمة "عملاء قطر على شاشة "سي إن إن" في المحلل البارز في شؤون الأمن القومي لدى الشبكة بيتر بيرجن، الذي قالت "كونسيرفتيف ريفيو" إنه "لا يبدو ذا صلاتٍ مباشرةٍ بمؤسسات الدولة القطرية بخلاف سواه من المذكورين على هذه القائمة، بالرغم من أنه زائرٌ منتظمٌ لهذه الدولة محدودة الساحة الغنية بموارد الطاقة، كما أنه يروج دعايةً سياسيةً وقحةً مؤيدةً لقطر، عندما يتعلق الأمر بالحديث عن قضايا تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط".

دانييل جرينفيلد، الباحث بمركز "دافيد هورويتز فريدوم"، ومقره نيويورك، اتهم أيضا صحيفة واشنطن بوست الأمريكية بالتواطؤ مع قطر، والترويج للأنظمة الأجنبية والمنظمات الإرهابية. وفى مقال له نشرته مجلة "فرونت بيدج" الأمريكية، قال جرينفيلد إن "واشنطن بوست" مستعدة للتحدث باسم الجماعات الإرهابية والترويج لآرائهم، مؤكدا أن هؤلاء الإرهابيين متحالفون مع المحور القطرى التركى ، وجماعة الإخوان الإرهابية. وأشار جرينفيلد إلى إتاحة "واشنطن بوست" مساحة للرئيس التركى رجب طيب أردوغان لنشر مقال له حول الهجوم الإرهابى على مسجدين فى نيوزيلندا، فى الوقت الذى أدانت فيه حكومة نيوزيلندا أردوغان لاستخدامه مشاهد إطلاق النار خلال الحملات الانتخابية. كما كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عن تمويل قطر لبعض مراكز الأبحاث والدراسات وعلى رأسها معهد البحث والدراسات فى أمريكا وهو معهد بروكنجز. وقالت الصحيفة إن قطر دفعت ما يقرب من 15 مليون دولار فى منحة على 4 سنوات من أجل إنشاء مركز بروكنجز الدوحة. وذكرت الصحيفة الأمريكية أن الباحثين الذين يعملون فى مركز بروكنجز كشفوا عن وجود اتفاقات ضمنية تقضى بألا يكون هناك انتقاد للحكومة القطرية المانحة فى التقارير التى يصدرها المركز. وكشف أحد الباحثين العاملين فى مركز بروكنجز الدوحة فى حديثه للصحيفة أنه تم إبلاغه بعدم اتخاذ مواقف تنتقد الحكومة القطرية فى الأوراق البحثية.

ولأن الفضائح لا تأتي فرادى، نشرت مجلة "لوبوان" الفرنسية، دلائل دامغة عن دور قطري كبير في تمويل جماعة "الإخوان" في فرنسا، والترويج لها، عبر "مؤسسة قطر الخيرية"، من خلال ملف استثنائي وضع فيه كل من كريستيان شينو (من "إذاعة فرنسا الدولية") وجورج مالبرونو (من صحيفة "لوفيجارو") أيديهما على الحسابات المفصَّلة لـ"مؤسسة قطر الخيرية"، وذلك عبر كتاب "أوراق قطرية" الذي يعجّ بالوثائق المحاسبية، وعدد لا يُحصى من المشاريع الدينية ذات الأهداف السياسية على الأراضي الفرنسية، بتمويل مباشر من هذه المنظمة غير الحكومية المرتبطة بالأمير. وأوضح مؤلفا الكتاب كيف أن قطر أصبحت جزءاً من معركة التأثير الديني في أوروبا، كما شددوا على "الآيديولوجية" التي تنشرها، والتي تروج دائماً لجماعة الإخوان المسلمين؛ الجماعة ذات المفاهيم المتطرفة. لكن هدفهم النهائي واضح، وهو تكييف القانون العام مع مفهومهم المتطرِّف.

المؤسسة القطرية ترسل الأموال إلى العديد من المساجد والدور الثقافية والجمعيات الدينية في أوروبا وتحديدا في فرنسا، إيطاليا، بلجيكا، ألمانيا، سويسرا، النرويج ودول البلقان بما فيها صربيا. وتكشف أرقام عام 2016 أن مؤسسة قطر الخيرية "كيو سي" مولت 140 مشروعا في أوروبا وكندا وأستراليا بما يزيد مجموعه على 72 مليون يورو. وتعد إيطاليا هي أعلى المستهدفين بأكثر من 23 مليون ، فرنسا على الأقل 14مليون، إسبانيا 7 ملايين، ألمانيا 5 ملايين، المملكة المتحدة 4 ملايين. ويتم التمويل القطري من خلال ترتيبات مالية معقدة، وهي ليست بالضرورة غير قانونية ولكن تبقى مبهمة لإخفاء الهدف الحقيقي. وتبين الوثائق أن "مؤسسة قطر الخيرية" قامت بتمويل "المركز الإسلامي" في الشمال في فيلنوف داك (CIV)، و"ثانوية ابن رشد" في مدينة لِيل، وهي أول مؤسسة إسلامية بموجب عقد شراكة مع الدولة الفرنسية، تأسست في عام 2003، وتحمل اسم هذا الفيلسوف المسلم المستنير. وتبلغ قيمة المساعدات القطرية للمنطقة 4.6 مليون يورو، منها ما لا يقل عن 1.2 مليون لمركز "CIV" و3 ملايين للمدرسة الثانوية. وهذا الثاني أكبر استثمار للمنظمة غير الحكومية القطرية في فرنسا لم يكن محض الصدفة، إذ يُعتبر الشمال بالفعل (مع بوردو) مهد الاتحاد السابق للمنظمات الإسلاموية في فرنسا UOIF))، وهو المكان الذي نجد فيه كبار مسؤوليه التنفيذيين.

حسب الكتاب فان معظم الجمعيات التي سئلت أنكرت تلقي أموال من دول أجنبية حتى أظهر لهم الصحافيون وثائق التحويلات. وقامت مؤسسة "Tracfin" وهي دائرة فرنسية ترصد التدفقات المالية لمكافحة الاحتيال وغسل الأموال وتمويل الإرهاب- بالتحقيق في حسابات طارق رمضان ممثل الإخوان المسلمين في فرنسا، على خلفية اتهامه بـ"الاغتصاب والاعتداء الجنسي والعنف والتهديدات بالقتل بحق العديد من النساء". واكتشفت أن مؤسسة قطر تدفع له راتبا شهريا قدره 35 ألف يورو في عام 2017. وقالت إنه نقل نحو 600 ألف من حسابه في قطر، إلى حسابه في فرنسا.

على سبيل المثال، أشار الكتاب إلى انه تم جمع معلومات مثيرة للاهتمام للغاية بشأن طارق رمضان، وتم الوصول إلى حساباته البنكية، وهو الآن قيد الإقامة الجبرية في فرنسا، بعد أن قضى ثمانية أشهر في السجن. وأشار الكتاب إلى أن رمضان قام بتحويل أموال آتية من قطر قدرها 590 الف يورو إلى حساب بنكي شخصي، مع زوجته، إيزابيل موريسيت، وقام بشراء شقتين في باريس، بمبلغ 670 الف. وأثناء التحقيق، تم تحديد حسابين مصرفيين في فرنسا جرى افتتاحهما باسم طارق رمضان. وخلال الفترة من 1 يناير 2017 إلى 5 فبراير 2018، بعد ثلاثة أيام من اعتقاله، سجّل حسابه ما لا يقل عن 729910 يورو كمصروفات و778269 يورو كإيداعات.

وعلى الرغم من تصريحات السلطات القطرية بأن "كيو سي" QC يتم تمويلها أساسا من قبل الأفراد إلا أن المؤلفين كريستيان شينو وجورج مالبرونو نشرا قائمة أهم الجهات المانحة: وهي - الديوان الأميري - الشيخ جاسم بن سعود بن عبد الرحمن آل ثاني - الشيخ خالد بن حمد بن عبد الله آل ثاني - الشيخ سعود جاسم أحمد آل ثاني - المكتب الخاص للأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني. وبالتالي، وخلافا لما قالته المصادر القريبة من قصر الإليزيه، فإن هناك أدلة على تمويل جمعية "كيو سي" والجمعيات الإسلامية في جميع أنحاء العالم. ومعظم هذه الجمعيات تنشر فكر الإخوان المسلمين الذي يدعو إلى خلق مجتمع مواز تحكمه القوانين الدينية المتطرفة. وبفضل مكافآت قطر المريحة للغاية، يمتلك طارق رمضان ما يكفي لدفع رسوم محاميه التي وصلت إلى نحو نصف مليون يورو.

أيضا، اتهم محللون سياسيون أمريكيون قناة "الجزيرة"، المملوكة للنظام الحاكم في قطر، بتقديم مبرراتٍ لأعمال العنف والإرهاب وتمجيد الإقدام على تنفيذ هجماتٍ دمويةٍ ضد المدنيين في العالم من جهةٍ، وخدمة أهداف إسرائيل في ضوء التحالف السري القائم بين الدوحة وتل أبيب من جهةٍ أخرى. وشدد المحللون - في دراسةٍ نشرتها مجلة "بليتز" الأسبوعية الأمريكية واسعة الانتشار – على أن كل ما تقوم به "الجزيرة يمثل استهزاءً بقيم الصحافة والمهنية، التي يُفترض أن تلتزم بها مختلف المؤسسات الإعلامية، لا سيما أن هذه القناة التي تموّلها الحكومة القطرية لا تقوم سوى بنشر الدعاية لقطر تحت اسم العمل الإعلامي والصحفي".

الدراسة التحليلية، التي أعدها الخبير الأمريكي المخضرم دافيد روبنسون، أبرزت خلو شاشة القناة القطرية بالكامل من أي برامج تنتقد السياسات، التي ينتهجها "نظام الحمدين" والتحالفات التي يقيمها؛ سواءٌ مع التنظيمات الإرهابية بداخل منطقة الشرق الأوسط وخارجها، أو مع أنظمة حكمٍ مارقةٍ ،. كما تتجاهل "الجزيرة" عمداً – كما يقول روبنسون في دراسته – أي ذكرٍ للتمييز الصارخ، الذي يشهده المجتمع القطري، أو انتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق، التي تجري بحق العمالة الأجنبية الموجودة هناك، خاصةً تلك المشاركة في تشييد المشروعات اللازمة لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم المقررة عام 2022.

الدراسة سخرت من الصورة الوردية، التي تقدمها القناة القطرية للأوضاع في الدويلة المعزولة، قائلةً إنها تُصوّر الحياة هناك على أنها جنةٌ رغداء "يتألق قوس قزح في أجوائها" بالرغم من كون "الجزيرة" – على حد تعبير روبنسون – متورطةً بعمق في "الحياة السياسية في المنطقة العربية"، وأنها "تتلاعب بالحقائق لتتلاءم مع أجندتها"، دون اكتراثٍ بالتعامل بموضوعيةٍ مع الأحداث التي تتولى تغطيتها. ولذلك يقول معد الدراسة: عندما يسألني أحدٌ عما إذا كانت "الجزيرة" شبكةً إرهابيةً فإنني أرد عليه بالإيجاب، مُشدداً على وجود "أدلةٍ دامغةٍ تؤكد ذلك.. (من قبيل) أنه يروق لهذه الشبكة أن تبث في أغلب الأحيان، لقطاتٍ قدمها إليها إرهابيون، تجعلهم يبدون في صورةٍ محببة لمشاهدي القناة".

وفي إشارةٍ إلى العواقب الوخيمة المترتبة على ذلك، أكد روبنسون أن ما تبثه "الجزيرة" في هذا الصدد "يغري البعض بالتفكير في أن الإرهاب هو أمرٌ جيد، لا جريمة نكراء يتعين إنزال أشد العقاب بجميع المتورطين فيها والمحرضين عليها والممولين لكل الأنشطة المرتبطة بها". وشدد الباحث المخضرم على أن الدراسة التي أعدها عن هذه القناة القطرية المشبوهة تؤكد كذلك أنها "تُسهم في واقع الأمر بتأجيج المشاعر المناوئة للدول الغربية بشكلٍ عامٍ، والولايات المتحدة على نحوٍ خاصٍ، في ربوع العالمين العربي والإسلامي، برغم أن البعض يُنحي باللائمة في ذلك على السياسة الخارجية الأمريكية". كما أشار إلى أن التغطيات الإخبارية والبرامج، التي تبثها "الجزيرة" تطرح رؤيةً مغايرةً تماماً للخطاب العربي والغربي المناوئ للإرهاب والتطرف والتشدد، وهو ما يشير إلى أن هذه الشبكة التليفزيونية توفر ذرائع ومبرراتٍ للهجمات الدموية والاعتداءات الوحشية، التي تستهدف مدنيين وتتم بشكلٍ عشوائي.

وأبرزت الدراسة الازدواجية التي تتصف بها مواقف النظام الحاكم في قطر، في ضوء كونه يقدم نفسه على أنه "حليفٌ وثيقٌ للولايات المتحدة، بينما يوفر في الوقت ذاته – على أقل التقديرات – شكلاً من أشكال المساعدة (للتنظيمات الإرهابية) سواء كان ذلك في صورة إيواء قياداتها وعناصرها، أو تمويلها، أو إمدادها بالأسلحة".
وأشار إلى أن الدعم القطري يصل إلى "متمردين وتنظيماتٍ وميليشياتٍ في ليبيا وسوريا، وكذلك يشمل حلفاء لتنظيم الإخوان الإرهابي في شتى أنحاء منطقة الشرق الأوسط"، معتبراً أن حرص الدوحة و"الجزيرة" بالتبعية على مؤازرة كل من يمت بصلة لتلك الجماعة الدموية، بدا واضحاً في التردي الذي طرأ على العلاقات المصرية القطرية بعد الإطاحة بنظام الحكم الإخواني في منتصف عام 2013 بعد مظاهراتٍ حاشدةٍ عمت أرجاء مصر.
وتفسر الروابط الوثيقة القائمة بين "نظام الحمدين" والإخوان، ما دأبت عليه "الجزيرة" من استضافة شخصياتٍ متشددةٍ ومرتبطةٍ بهذه الجماعة الإرهابية على شاشتها، مثل الإخواني الهارب من مصر يوسف القرضاوي، وغيره من دعاة التطرف والكراهية، الذين ينظمون في بعض الأحيان حملاتٍ للتبرع لأغراضٍ مشبوهةٍ من خلال برامج القناة القطرية.

هذه الشبكة لم تُعرف بالنسبة للمشاهد الغربي سوى من خلال استغلالها للحرب في أفغانستان عام 2001، وكذلك عبر استضافتها أواخر القرن الماضي لمؤسس تنظيم القاعدة الإرهابي أسامة بن لادن، وهو ما جلب عليها "انتقاداتٍ واسعة النطاق في الولايات المتحدة.. والدول العربية، وحتى من جانب السلطة الفلسطينية"، رغم محاولات القائمين على القناة استغلال مأساة الشعب الفلسطيني لكسب الشعبية بين العرب والمسلمين. وشدد روبنسون على أن كل هذه الممارسات شكلت السبب في أن يُنظر إلى الجزيرة على أنها "ناطق بلسان الإرهابيين"، دون أن يمنع ذلك من اعتبارها في الوقت ذاته "خادماً خانعاً لإسرائيل"، بفعل العلاقات المشبوهة القائمة بين النظام القطري والحكومة الإسرائيلية في الخفاء. وألمح دافيد روبنسون إلى أن "الجزيرة" ربما تكون قد خرجت عن سيطرة النظام القطري من الأساس، مُشيراً في هذا الشأن إلى أن من بين أسباب الأزمة الخليجية المندلعة منذ منتصف عام 2017، فشل هذا النظام في الوفاء بالتزاماته بموجب اتفاق الرياض لعام 2013 والاتفاق التكميلي لعام 2014، بالنظر إلى أن هذين الاتفاقين كانا يُلزمان الدوحة ضمنياً بلجم أنشطة قناتها المشبوهة حتى يتسنى لها الوفاء بتعهداتها المتعلقة بـ"عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأيٍ من دول المجلس (مجلس التعاون الخليجي) بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر.. وعدم دعم "الإخوان" أو أيٍ من المنظمات والتنظيمات أو الأفراد الذين يهددون أمن واستقرار دول المجلس، عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي.


التعليقات